الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قول ابن عمر في تخيير الأمة إذا عتقت

1193 1148 - روى مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أنه كان يقول في الأمة تكون تحت العبد فتعتق : إن الأمة لها خيار ما لم يمسها .

25729 - قال مالك : وإن مسها زوجها فزعمت أنها جهلت أن لها الخيار ، فإنها تتهم ولا تصدق بما ادعت من الجهالة ، ولا خيار لها بعد أن يمسها .

1149 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ; أن مولاة لبني عدي يقال لها زبراء . أخبرته أنها كانت تحت عبد . وهي أمة يومئذ . [ ص: 151 ] فعتقت . قالت : فأرسلت إلي حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم . فدعتني . فقالت : إني مخبرتك خبرا . ولا أحب أن تصنعي شيئا . إن أمرك بيدك ما لم يمسسك زوجك ، فإن مسك فليس لك من الأمر شيء ، قالت ، فقلت : هو الطلاق . ثم الطلاق . ثم الطلاق . ففارقته ثلاثا .

التالي السابق


25730 - قال أبو عمر : لا أعلم مخالفا لعبد الله ، وحفصة ابني عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - في أن الخيار لها ما لم يمسها زوجها .

25731 - وفي حديث ابن عباس في قصة بريرة ما يشهد بصحة قولهما .

25732 - وقد روي عن النبي - عليه السلام - مثل ذلك :

25733 - حدثني عبد الله ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو داود قال : حدثني عبد العزيز بن يحيى الحراني ، قال : حدثني محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبي جعفر ، وعن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، وعن هشام [ ص: 152 ] بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن بريرة أعتقت ، وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد ، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لها : إن قربك ، فلا خيار لك .

25734 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إذا علمت بالعتق وبأن لها الخيار ، فخيارها على المجلس .

25735 - وقال الأوزاعي : إذا لم تعلم بأن لها الخيار حتى غشيها زوجها ، فلها الخيار .

25736 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني يوسف بن عدي قال : حدثني عبدة بن سليمان ، عن سعيد ، عن أيوب ، وقتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود يوم أعتقت فكأني - والله - أنظر له في طرق المدينة ونواحيها وأن دموعه لتنحدر على لحيته يتبعها يترضاها لتختاره ، فلم تفعل .

25737 - قال أبو عمر : في هذا الحديث ما يبطل أن يكون خيارها على المجلس ; لأن مشيها في المدينة لم يبطل خيارها .

25738 - وفيه أيضا حجة لمن قال : لا خيار لها تحت الحر ; لأن خيارها إنما وقع من أجل كونها زوجها عبدا ، والله أعلم .

25739 - وفيه ما يعضد قول من قال من العلماء إن زوجها كان عبدا ، وهم : [ ص: 153 ] عروة ، والقاسم ، وجمهور فقهاء الحجاز ، والمغرب ، والشام .

25740 - ورواه عروة ، والقاسم ، عن عائشة .

25741 - حدثنا عبد الله ، قال : حدثني محمد قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثني جرير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في قصة بريرة ، قال : وكان زوجها عبدا ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها ، ولو كان حرا ما خيرها .

25742 - قال : حدثني عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثني حسين بن علي ، والوليد بن عقبة ، عن زائدة ، عن سماك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة : أن بريرة خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان زوجها عبدا .

25743 - وأما اختلافهم في الأمة تعتق تحت الحر :

25744 - فقال مالك وأهل المدينة ، وأصحابهم ، والأوزاعي ، والليث ، والشافعي : إذا أعتقت الأمة تحت الحر فلا خيار لها .

25745 - وبه قال أحمد ، وإسحاق .

25746 - وهو قول ابن أبي ليلى .

[ ص: 154 ] 25747 - ومن حجتهم أنها لم يحدث لها حال ترتفع بها عن الحر ، فكأنهما لم يزالا حرين ولما لم ينقص حال الزوج عن حالها ، ولم يحدث به عيب لم يكن لها خيار .

25748 - وقد أجمع الفقهاء أن لا خيار لزوجة العنين إذا ذهبت العنة قبل أن يقضى لها بفراقه ، وكذلك سائر العيوب زوالها ينفي الخيار .

25749 - فقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي : لها الخيار ، حرا كان زوجها أو عبدا .

25750 - ومن حجتهم أن الأمة لم يكن لها في إنكاح مولاها إياها رأي من أجل أنها كانت أمة ، فلما عتقت كان لها الخيار .

25751 - ألا ترى إلى إجماعهم على أن الأمة يزوجها سيدها بغير إذنها ، فإذا كانت حرة كان لها الخيار الذي لم يكن لها في حال أموتها .

25752 - قالوا : وقد ورد تخيير بريرة ، وليس في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : إنما وجب لك الخيار من أجل كون زوجك عبدا فالواجب أن يكون لها الخيار على كل حال .

25753 - قالوا : وقد روي في قصة بريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : قد ملكت نفسك ، فاختاري . [ ص: 155 ] 25754 - قالوا : فكل من ملكت نفسها اختارت تحت حر كانت ، أو عبد .

25755 - ورووا عن الأسود ، عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا .

25756 - ذكر أبو بكر ، قال : حدثني حفص ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أنها اشترت بريرة فعتقتها ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لها زوج حر .

25757 - ورووا عن سعيد بن المسيب مثله .

25758 - وهو قول مجاهد ، وابن سيرين ، والشعبي ، وإبراهيم ، كل هؤلاء يقولون : تخير تحت الحر والعبد .

25759 - وقالوا : من قال إن زوج بريرة كان حرا ، فقوله أولى ; لأن الرق ظاهر والحرية طارئة ، ومن أنبأ عن الباطن كان الشاهد دون غيره .

25760 - قال أبو عمر : أما احتجاجهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريرة : قد ملكت نفسك ، فاختاري ، فإنه خطاب ورد فيمن كانت تحت عبد .

25761 - فأما من أعتقت تحت حر ، فلم تملك بذلك نفسها ; لأنه ليس في حريتها شيء يوجب ملكها لنفسها .

25762 - وأما رواية الأسود بن يزيد ، عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا ، فقد عارضه عن عائشة من هو مثله أو فوقه ، بل هو ألصق بعائشة ، وأعلم [ ص: 156 ] بها منه ، وذلك القاسم بن محمد أخيها ، وعروة بن الزبير ابن أختها ، رويا عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدا .

25763 - رواه عبد الرحمن بن القاسم ، وأسامة بن زيد ، عن القاسم ، عن عائشة .

25764 - وفي حديث عروة في قصة زبراء أن الزوج كان عبدا ، ويشهد بصحة روايتها عن عائشة الحديث ؛ عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود ، يسمى مغيثا لبعض بني مخزوم .

25765 - حدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني عثمان ، قال : حدثني همام ، قال : حدثني قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن زوج بريرة ، كان عبدا أسود يسمى مغيثا ، فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع قضيات أن مواليها اشترطوا الولاء ، فقضى أن الولاء لمن أعطى الثمن وخيرها وأمرها أن تعتد وتصدق عليها بصدقة فأهدت منها إلى عائشة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو لها صدقة ، ولنا هدية .

25766 - واختلف الفقهاء في فرقة المعتقة إذا اختارت فراق زوجها :

[ ص: 157 ] 25767 - فقال مالك والأوزاعي ، والليث بن سعد : هو طلاق بائن .

25768 - وممن قال : إن اختيارها لنفسها واحدة بائنة : قتادة ، وعمر بن عبد العزيز .

25769 - قال مالك : هو طلاق بائن إلا أن تطلق نفسها ثلاثا فإن طلقت نفسها ثلاثا فذلك لها ، ولها أن تطلق نفسها ما شاءت من الطلاق ، فإن طلقت نفسها واحدة ، فهي بائنة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث