الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأحاديث الدالة على دخول الأعمال في مسمى الإيمان

كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص والعمل بمقتضاهما . فقد قال صلى الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون [ ص: 475 ] شعبة ، فأفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق .

وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : الحياء شعبة من الإيمان .

وقال أيضا : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا .

وقال أيضا : البذاذة من الإيمان .

[ ص: 476 ] فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة ، وكل شعبة منها تسمى : إيمانا ، فالصلاة من الإيمان ، وكذلك الزكاة والصوم والحج ، والأعمال الباطنة ، كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه ، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق ، فإنه من شعب الإيمان . وهذه الشعب ، منها ما يزول الإيمان بزوالها [ إجماعا ] ، كشعبة الشهادة ، ومنها ما لا يزول بزوالها ، كترك إماطة الأذى عن الطريق ، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما ، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى . وكما أن شعب الإيمان إيمان ، فكذا شعب الكفر كفر ، فالحكم بما أنزل الله - مثلا من شعب الإيمان ، والحكم بغير ما أنزل الله كفر . وقد قال صلى الله عليه وسلم : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . رواه مسلم . وفي لفظ : ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل . وروى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله - : فقد استكمل الإيمان . ومعناه - والله [ ص: 477 ] أعلم - أن الحب والبغض أصل حركة القلب ، وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك ، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس ، والبدن متوسط بين القلب والمال ، فمن كان أول أمره وآخره كله لله ، كان الله إلهه في كل شيء ، فلم يكن فيه شيء من الشرك ، وهو إرادة غير الله وقصده ورجاؤه ، فيكون مستكمل الإيمان . إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل .

ويأتي في كلام الشيخ رحمه الله في شأن الصحابة رضي الله عنهم : " وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان " . فسمى حب الصحابة إيمانا ، وبغضهم كفرا .

وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره ، عن استدلالهم بحديث شعب الإيمان المذكور ، وهو : أن الراوي قال : بضع وستون أو بضع وسبعون ، فقد شهد الراوي بغفلة نفسه حيث شك فقال : بضع وستون أو بضع وسبعون ، ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم الشك في ذلك ! وأن هذا الحديث مخالف للكتاب .

فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب . فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه ! فإن تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه ، مع أن البخاري رحمه الله إنما رواه : بضع وستون من غير شك .

[ ص: 478 ] وأما الطعن بمخالفة الكتاب ، فأين في الكتاب ما يدل على خلافه ؟ ! وإنما فيه ما يدل على وفاقه ، وإنما هذا الطعن من ثمرة شؤم التقليد والتعصب .

وقالوا أيضا : وهنا أصل آخر ، وهو : أن القول قسمان : قول القلب وهو الاعتقاد ، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام . والعمل قسمان : عمل القلب ، وهو نيته وإخلاصه ، وعمل الجوارح . فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله ، وإذا زال تصديق القلب لم ينفع بقية الأجزاء ، فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها وكونها نافعة ، وإذا بقي تصديق القلب وزال الباقي فهذا موضع المعركة ! !

ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب ، إذ لو أطاع القلب وانقاد ، لأطاعت الجوارح وانقادت ، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة . قال صلى الله عليه وسلم : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب . فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا ، بخلاف العكس . وأما كونه يلزم من زوال جزئه زوال كله ، فإن أريد أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت ، فمسلم ، ولكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء ، فيزول عنه الكمال فقط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث