الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 255 ] ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة

فيها قصد الملك الجواد أن يدخل مصر ليكون في خدمة الصالح أيوب ،
فلما وصل إلى الرمل توهم منه الصالح أيوب ، وأرسل إليه كمال الدين بن الشيخ ليقبض عليه ، فرجع الجواد ، فاستجار بالناصر داود ، وكان إذ ذاك بالقدس الشريف ، وبعث معه جيشا ، فالتقوا مع ابن الشيخ ، فكسروه وأسروه ، فوبخه الناصر داود ، ثم أطلقه ، وأقام الجواد في خدمة الناصر حتى توهم منه ، فقيده وأرسله تحت الحوطة إلى بغداد ، فأطلقه بطن من العرب عن قوة ، فلجأ إلى صاحب دمشق مدة ، ثم انتقل إلى الفرنج ، ثم عاد إلى دمشق ، فحبسه الصالح إسماعيل بعزتا إلى أن مات في سنة إحدى وأربعين كما سيأتي .

وفيها شرع الصالح أيوب في بناء المدارس بمصر ، وبنى قلعة بالجزيرة غرم عليها شيئا كثيرا من بيت المال ، وأخذ أملاك الناس ، وخرب نيفا وثلاثين مسجدا ، وقطع ألف نخلة ، ثم أخربها الترك في سنة إحدى وخمسين كما سيأتي بيانه .

وفيها ركب الملك المنصور بن إبراهيم بن الملك المجاهد صاحب حمص ، ومعه [ ص: 256 ] الحلبيون ، فاقتتلوا مع الخوارزمية بأرض حران ، فكسروهم ومزقوهم كل ممزق ، وعادوا منصورين إلى بلادهم ، فاصطلح شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين مع الخوارزمية ، وآواهم إلى بلده ليكونوا من حزبه .

قال أبو شامة : وفيها كان دخول الشيخ عز الدين إلى الديار المصرية فأكرمه صاحبها ، وولاه الخطابة بالقاهرة وقضاء القضاة بمصر ، بعد وفاة القاضي شرف الدين الموقع ، ثم عزل نفسه مرتين وانقطع في بيته ، رحمه الله تعالى .

قال : وفيها توفي بالموصل الشمس بن الخباز النحوي الضرير في سابع رجب . والكمال بن يونس الفقيه في النصف من شعبان ، وكانا فاضلي بلدهما في فنهما .

قلت : أما الشمس بن الخباز ، فهو أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور بن علي ، الضرير النحوي الموصلي ، المعروف بابن الخباز ، اشتغل بعلم العربية وحفظ " المفصل " و " الإيضاح والتكملة " والعروض والحساب ، وكان يحفظ " المجمل " في اللغة وغير ذلك ، وكان شافعي المذهب ، كثير النوادر والملح ، وله أشعار جيدة ، وكانت وفاته العاشر من رجب ، وله من العمر خمسون سنة - رحمه الله تعالى - .

[ ص: 257 ] وأما الكمال بن يونس ، فهو موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العقيلي ، أبو الفتح الموصلي ، شيخ الشافعية بها ، ومدرس بعدة مدارس فيها ، وكانت له معرفة تامة بالأصول والفروع والمعقولات والمنطق والحكمة ، ورحل إليه الطلبة من البلدان ، وبلغ ثمانية وثمانين عاما ، وله شعر حسن ، فمن ذلك ما امتدح به البدر لؤلؤا صاحب الموصل ، وهو قوله :


لئن شرفت أرض بمالك رقها فمملكة الدنيا بكم تتشرف     بقيت بقاء الدهر أمرك نافذ
وسعيك مشكور وحكمك منصف

كان مولده سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، وتوفي للنصف من شعبان هذه السنة - رحمه الله تعالى - .

قال أبو شامة : وفيها توفي بدمشق :

عبد الواحد الصوفي

الذي كان قسا راهبا بكنيسة مريم سبعين سنة ، أسلم قبل موته بأيام ، ثم توفي شيخا كبيرا بعد أن أقام بخانقاه السميساطية أياما ، ودفن بمقابر الصوفية ، وكانت له جنازة حافلة ، حضرت دفنه والصلاة عليه ، رحمه الله تعالى .

[ ص: 258 ] أبو الفضل أحمد بن إسفنديار ، بن الموفق بن أبي علي البوشنجي الواعظ ، شيخ رباط الأرجوانية .

قال ابن الساعي : كان جميل الصورة ، حسن الأخلاق ، كثير التودد والتواضع ، متكلما مفوها منطقيا ، حسن العبارة ، جيد الوعظ ، طيب الإنشاد ، عذب الإيراد ، له نظم حسن . ثم ساق عنه قصيدة يمدح بها الخليفة المستنصر .

أبو بكر محمد بن يحيى ، بن المظفر بن علي بن نعيم ، المعروف بابن الحبير السلامي ، شيخ عالم فاضل ، كان حنبليا ، ثم صار شافعيا ، ودرس بعدة مدارس ببغداد للشافعية ، وكان أحد المعدلين بها ، تولى مباشرات كثيرة ، وكان فقيها أصوليا عالما بالخلاف ، وتقدم ببلده وعظم كثيرا ، ثم استنابه ابن فضلان بدار الحريم ، ثم صار من أمره أن درس بالنظامية ، وخلع عليه ببغلة ، وحضر عنده الأعيان ، وما زال بها حتى توفي عن ثمانين سنة ، ودفن بباب حرب .

قاضي القضاة ببغداد

أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل بن علي الواسطي الشافعي ،
اشتغل ببغداد ، وحصل وأعاد في بعض المدارس ، ثم استنابه قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر ، في أيام الخليفة [ ص: 259 ] الظاهر بن الناصر ، ثم ولي قضاء القضاة مستقلا ، ثم ولي تدريس المستنصرية بعد موت أول من درس بها محيي الدين محمد بن فضلان ، ثم عزل عن ذلك كله ، وعين لمشيخة بعض الربط ، ثم كانت وفاته في هذا العام ، وكان فاضلا دينا متواضعا ، رحمه الله تعالى وعفا عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث