الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 418 ] كتاب البيوع .

قال : ( البيع ينعقد بالإيجاب والقبول إذا كانا بلفظي الماضي ) مثل أن يقول أحدهما : بعت والآخر اشتريت ، لأن البيع إنشاء تصرف ، والإنشاء يعرف بالشرع ، والموضوع للإخبار قد استعمل فيه فينعقد به ، ولا ينعقد بلفظين : أحدهما : لفظ المستقبل ، والآخر : لفظ الماضي بخلاف النكاح وقد مر الفرق هناك ، وقوله رضيت بكذا أو أعطيتك بكذا أو خذه بكذا في معنى قوله : بعت واشتريت لأنه يؤدي معناه ، والمعنى هو المعتبر في هذه العقود ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس والخسيس وهو الصحيح لتحقق المراضاة . قال : ( وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رد ) وهذا خيار القبول لأنه لو لم يثبت له الخيار يلزمه حكم البيع من غير رضاه ، وإذا لم يفد الحكم بدون قبول الآخر فللموجب أن يرجع عنه قبل قبوله لخلوه عن إبطال حق الغير ، وإنما يمتد إلى آخر المجلس لأن المجلس جامع المتفرقات فاعتبرت ساعاته ساعة واحدة دفعا للعسر وتحقيقا لليسر ، والكتاب كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة ، وليس له أن يقبل في بعض المبيع ولا أن يقبل المشتري ببعض الثمن لعدم رضى الآخر بتفرق الصفقة إلا إذا بين ثمن كل واحد لأنه صفقات معنى . قال : ( وأيهما قام عن المجلس قبل القبول بطل الإيجاب ) لأن القيام دليل الإعراض والرجوع وله ذلك على ما ذكرناه ، وإذا حصل الإيجاب والقبول لزم [ ص: 419 ] البيع ولا خيار لواحد منهما إلا من عيب أو عدم رؤية . وقال الشافعي : يثبت لكل واحد منهما خيار المجلس لقوله عليه الصلاة والسلام : { المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا }ولنا أن في الفسخ إبطال حق الغير فلا يجوز ، والحديث محمول على خيار القبول وفيه إشارة إليه فإنهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها أو يحتمله فيحمل عليه والتفرق فيه تفرق الأقوال . قال : ( والأعواض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع ) لأن بالإشارة كفاية في التعريف وجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة ( والأثمان المطلقة لا تصح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة ) لأن التسليم والتسلم واجب بالعقد وهذه الجهالة مفضية إلى المنازعة فيمتنع التسليم والتسلم ، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز ، هذا هو الأصل .

[ ص: 418 ]

التالي السابق


[ ص: 418 ] كتاب البيوع .

الحديث الأول : قال عليه السلام : { المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا }; قلت : روي من حديث ابن عمر ; ومن حديث حكيم بن حزام ; ومن حديث عبد الله بن عمرو ; ومن حديث سمرة بن جندب ; ومن حديث أبي برزة . [ ص: 419 ] أما حديث ابن عمر : فأخرجه الأئمة الستة في " كتبهم " عن نافع عن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار }انتهى بلفظ " الصحيحين " ; وفي لفظ لهما : قال : { إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك ، فقد وجب البيع ، فإن تفرقا بعد أن يتبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع } ، وفي لفظ لهما : { إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ، ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما على الخيار ، فإن كان بيعهما على خيار فقد وجب ، }وفي رواية لهما : فكان ابن عمر إذا بايع رجلا ، فأراد أن لا يقيله ، قام فمشى هنيهة ، ثم رجع إليه ، وفي لفظ لهما : قال : { كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار }انتهى .

ولفظ أبي داود ، قال : { المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ، ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار } ، انتهى . ولفظ الترمذي ، قال : { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يختارا ، قال : فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا ، وهو قاعد قام ليجب له }انتهى . [ ص: 420 ] ولفظ النسائي ، قال : { المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، }انتهى .

وهو لفظ الكتاب ، ولفظ ابن ماجه ، قال : { إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ، وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك ، فقد وجب البيع ، فإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع }انتهى .

وأما حديث حكيم بن حزام : فأخرجه الجماعة إلا ابن ماجه عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما }.

قال مسلم : ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، وعاش مائة وعشرين سنة انتهى .

وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : فأخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، قالوا ثلاثتهم : حدثنا قتيبة بن سعيد عن الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن تكون صفقة خيار ، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله }.

قال الترمذي : حديث حسن ; ورواه البيهقي في " سننه " بلفظ : { أيما رجل ابتاع من رجل بيعة ، فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما ، إلا أن تكون صفقة خيار }انتهى .

وأما حديث سمرة : فأخرجه ابن ماجه ، والنسائي عن قتادة عن الحسن عن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، }انتهى . [ ص: 421 ] وأما حديث أبي برزة : فأخرجه أبو داود عن حماد بن زيد عن جميل بن مرة { عن أبي الوضيء عباد بن نسيب ، قال : غزونا غزوة ، فنزلنا منزلا ، فباع صاحب لنا فرسا بغلام ، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما ، فلما أصبحا من الغد قام الرجل إلى فرسه يسرجه ، فندم ، فأتى الرجل وأخذه بالبيع ، فأبى الرجل أن يدفعه إليه ، فقال : بيني وبينك أبو بردة ، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فأتيا أبا بردة في ناحية العسكر ، فقالا له هذه القصة ، فقال : أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا }.

قال هشام بن حسان : حدث جميل أنه قال : { ما أراكما افترقتما }انتهى .

وأخرجه ابن ماجه مختصرا ، بدون القصة ، { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا }انتهى قال المنذري في " مختصره " : ورجاله ثقات ، قال البيهقي في " المعرفة " : قال الشافعي : وقد حمل بعض الناس الحديث على التفرق في الكلام ، قال الشافعي : هذا محال لا يجوز في اللسان ; إنما يكونان قبل التساوم ، غير متساومين ، ثم يكونان متساومين قبل التبايع ، ثم يكونان بعد التساوم متبايعين ، ولا يقع عليهما اسم المتبايعين حتى يتبايعا ، ويتفرقا في الكلام على التبايع ، قال : ولو احتمل اللفظ ما قاله ، وما قلناه ، فالقول بقول راوي الحديث أولى ، لأن له فضل السماع ، والعلم باللسان ، وبما سمع ، هذا ابن عمر كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه ، ثم مشى قليلا ، ورجع ، قال البيهقي : وزعم بعض من يسوي الأخبار على مذهبه أن ابن عمر قال : ما أدركته الصفقة حيا فهو من مال المبتاع ، فدل على أنه كان يرى تمام البيع بالقول ، قبل الفرقة ، قال : وهذا الذي ذكره ابن عمر لا ينافي مذهبه من ثبوت الخيار ، وقد قيل : إذا تفرقا ولم يختر واحد منهما انفسخ ، فقد علمنا انتقال الملك بالصفقة ، ثم كان هو يرى المبيع في يد البائع من ضمان المشتري ، وغيره يراه من ضمان البائع مع ثبوت الخيار فيه ، حتى يتفرقا ، أو يخيرا في قوله وقولنا ، ولو قبضه المبتاع في مدة الخيار حتى يكون من ضمانه في قولنا أيضا ، لم يمنع ثبوت الخيار كذلك إذا [ ص: 422 ] لم يقبضه عنده ، فإذا لم يمنع قولنا : إنه من ضمان البائع لزوم البيع لم يمنع قوله : إنه من ضمان المبتاع ثبوت الخيار ، قال : وزعم في حديث أبي برزة أنهما كانا قد تفرقا بأبدانهما ، لأن فيه أن الرجل قام يسرج فرسه ، وقول أبي برزة حين وجدهما متناكرين ، أحدهما يدعي البيع ، والآخر ينكره : ما أراكما تفرقتما ، أي الفرقة التي بها يتم البيع ، وهي الفرقة بالكلام ، فسوى الحديث هكذا على مذهبه ، ولم يعلم أنهما كانا باتا معا عند الفرس ، وحين قام البائع إلى فرسه ليسرجها لم يفترق بهما المجلس ، وفي رواية مسدد عن حماد بن زيد ، قال : { فأتى الرجل يعني المبتاع فأخذه بالمبيع } ، وفي رواية هشام عن جميل ، { أليس قد بعتنيها ؟ قال : ما لي في هذا البيع من حاجة ، قال : ليس لك ذلك ، لقد بعتني } ، فإنما تنازعا في لزوم البيع ، وليس في شيء من الروايات أن صاحبه أنكر البيع لا في الحال ، ولا حين أتيا أبا برزة ، فالزيادة في الحديث ليستقيم التأويل غير محمودة ، قال البيهقي : قال الشافعي عن بعضهم : روى أبو يوسف عن مطرف عن الشعبي أن عمر قال : البيع عن صفقة أو خيار ، قال الشافعي : وهذا لا يثبت عن عمر ، فإن في رواية الزعفراني أن عمر قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولئن ثبت عنه فهو مجهول ومنقطع ، قال البيهقي : ومعنى ذلك أنه يروى عن مطرف ، فتارة عن الشعبي عن عمر ، وتارة عن عطاء بن أبي رباح عن عمر ; ورواه محمد بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر ، وقيل : عن شيخ من بني كنانة عن عمر ، وكل ذلك مجهول ومنقطع انتهى كلامه . .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث