الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده

( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون )

قوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون )

اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع تعالى ، ويحتمل أن يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة المعاد وصحة الحشر .

أما الوجه الأول : فتقريره أن الله تعالى لما استدل بخلقه السماوات والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الإنسان على إثبات هذا المطلوب ، فقال : ( هو الذي خلقكم من طين ) والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقا من طين ؛ فلهذا السبب قال : ( هو الذي خلقكم من طين ) وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، وهما يتوالدان من الدم ، والدم إنما يتولد من الأغذية ، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، فإن كانت حيوانية كان الحال في كيفية تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان ، فبقي أن تكون نباتية فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين ، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين ، وهذا الوجه عندي أقرب إلى الصواب .

إذا عرفت هذا فنقول : هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور ، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل مثل القلب والدماغ والكبد ، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها ، وتولد الصفات المختلفة في المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ، ومدبر رحيم ، وذلك هو المطلوب . [ ص: 127 ] وأما الوجه الثاني : وهو أن يكون المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد ، فنقول : لما ثبت أن تخليق بدن الإنسان إنما حصل لأن الفاعل الحكيم والمقدر الرحيم رتب خلقة هذه الأعضاء على هذه الصفات المختلفة بحكمته وقدرته ، وتلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادرا على إعادتها وإعادة الحياة فيها ، وذلك يدل على صحة القول بالمعاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث