الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني

جزء التالي صفحة
السابق

فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين

فلما فصل طالوت بالجنود انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة، وأصله فصل نفسه عنه ولكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم.

روي: أنه قال لهم لا يخرج معي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا فسلكوا مفازه وسألوه أن يجري الله لهم نهرا. قال إن الله مبتليكم بنهر معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه. فمن شرب منه فليس مني فليس من أشياعي، أو ليس بمتحد معي. ومن لم يطعمه فإنه مني أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولا أو مشروبا قال الشاعر:


وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا



وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبيا كما قيل، أو بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام. إلا من اغترف غرفة بيده استثناء من قوله فمن شرب منه، وإنما قدمت عليه الجملة الثانية للعناية بها كما قدم والصائبون على الخبر في قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، وقرأ ابن عامر والكوفيون غرفة بضم الغين. فشربوا منه إلا قليلا منهم أي فكرعوا فيه إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بوسط، وتعميم الأول ليتصل الاستثناء، أو أفرطوا في الشرب منه إلا قليلا منهم. وقرئ بالرفع حملا على المعنى فإن قوله فشربوا منه في معنى فلم يطيعوه والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وقيل ثلاثة آلاف. وقيل: ألفا. روي أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته، ومن لم يقتصر غلب عليه واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي وهكذا الدنيا لقاصد الآخرة. فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه أي القليل الذين لم يخالفوه. قالوا أي بعضهم لبعض. لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده لكثرتهم وقوتهم. قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعالى. وقيل: هم القليل الذين ثبتوا معه، والضمير في قالوا للكثير المنخذلين عنه اعتذارا في التخلف وتخذيلا للقليل، وكأنهم تقاولوا به والنهر بينهما. كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله [ ص: 152 ] بحكمه وتيسيره، وكم تحتمل الخبر والاستفهام، ومن مبينة أو مزيدة. والفئة الفرقة من الناس من فأوت رأسه إذا شققته، أو من فاء رجع فوزنها فعة أو فلة. والله مع الصابرين . بالنصر والإثابة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث