الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              1295 [ ص: 119 ] 81 - باب: الجريد على القبر

                                                                                                                                                                                                                              وأوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان. ورأى ابن عمر فسطاطا على قبر عبد الرحمن فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله. وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان، وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه. وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه. وقال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبور.

                                                                                                                                                                                                                              1361 - حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بقبرين يعذبان فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". ثم أخذ جريدة رطبة فشقها بنصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة. فقالوا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ فقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا". [انظر: 216 - مسلم: 292 - فتح: 3 \ 222]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ثم ذكر حديث ابن عباس : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبرين يعذبان .. الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              حديث ابن عباس سلف في الطهارة ، وترجم له قريبا باب: عذاب القبر من الغيبة والبول . وإنما خص الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات والثمار; لأنهما أطول الثمار بقاء، فتطول [ ص: 120 ] مدة التخفيف عنهما، وهي شجرة طيبة كما سماها الله، وهي شجرة شبهها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمن، كما سلف في كتاب العلم .

                                                                                                                                                                                                                              وقيل: إنها خلقت من فضلة طينة آدم، وإنما فعل بريدة ما سلف اتباعا لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبرين وتبركا بفعله ورجاء أن يخفف عنه ، والمراد بعبد الرحمن: ابن أبي بكر كما بينه عبد الحق في "جمعه".

                                                                                                                                                                                                                              والفسطاط: المضرب. قاله أبو حاتم. وقال الجوهري : بيت من شعر . وقال المطرزي: خيمة عظيمة. وفي "الباهر" هو: مضرب السلطان الكبير، وهو السرادق أيضا. وقال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق . وقال صاحب "المطالع": هو الخباء ونحوه.

                                                                                                                                                                                                                              وفي أثر خارجة دلالة على رفع القبور عن الأرض وتطويلها; لتعرف من غير قصد مباهاة، ذكره الداودي . ويستثنى قبر المسلم ببلاد الكفار فيخفى صيانة عنهم.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله عن خارجة: (عن عمه يزيد) خارجة بن زيد بن ثابت، لم يدرك عمه يزيد بن ثابت. مات خارجة سنة مائة عن سبعين سنة، [ ص: 121 ] وقتل عمه يوم اليمامة .

                                                                                                                                                                                                                              وقول يزيد في الجلوس على القبر، وهو قول مالك، وقد جاء في النهي عن الجلوس عليه أحاديث صحيحة ، وأخذ النخعي ومكحول والحسن وابن سيرين بها، فجعلوها على العموم، وكرهوا المشي على القبور والقعود عليها ، ونقل أيضا عن ابن مسعود وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي العلاء بن الشخير فيما ذكره ابن أبي شيبة .

                                                                                                                                                                                                                              وأجاز مالك والكوفيون الجلوس عليها وقالوا: إنما نهي عن القعود عليها للمذاهب -فيما نرى والله أعلم- يريد حاجة الإنسان .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 122 ] وفي مسند ابن وهب، عن محمد بن أبي حميد أن محمد بن كعب القرظي حدثهم قال: إنما قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جلس على قبر يبول عليها أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة نار" .

                                                                                                                                                                                                                              واحتج بعضهم بأن عليا كان يتوسد القبور ويضطجع عليها .

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: إن زيد بن ثابت قال: هلم يا ابن أخي أخبرك، إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجلوس على القبور لحدث أو [ ص: 123 ] بول أو غائط، وروي مثله عن أبي هريرة، كذا في ابن بطال، وعزاه إلى "موطإ ابن وهب " ، وفي "شرح شيخنا علاء الدين" أن أبا هريرة كرهه وشدد في ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: "لعله أن يخفف عنهما" لعل: معناها: الترجي والطمع.

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى الحديث: الحض على ترك النميمة والتحرز من البول، والإيمان بعذاب القبر، وإنما ترجم له فيما سيأتي باب: عذاب القبر من الغيبة والبول. وذكر فيه النميمة فقط، ولعلها كانت معها غيبة وهما محرمتان وهما في النهي عنهما سواء.

                                                                                                                                                                                                                              وقال بعض شيوخنا في شرحه: فهم البخاري من جعل الجريد عليه جواز جلوس الآدميين عليه ولا يسلم له ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: "وما يعذبان في كبير" أي: عندهما، ولذلك قال: "بلى" في موضع آخر .

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: دلالة على أنهما كانا مسلمين; لأنه لا يذكر أنهما يعذبان على ما دون الشرك، ولا يذكر هو، وعذابهما يجوز أن يكون سمعه أو أخبر به، وموجبه أخبر به، والتخفيف يجوز أن يكون بدعاء منه مدة بقاء النداوة من الجريد، لا أن في الجريد معنى يوجبه، وقيل: لأنه يسبح مادام رطبا، وقد سلف في الطهارة بسط ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              والجريد: سعف النخل. الواحدة: جريدة، سميت بذلك; لأنه قد جرد عنها خوصها.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 124 ] وقوله: "ما لم ييبسا" يجوز بفتح الباء وكسرها، وهو شاذ في باب فعل بكسر العين أن يأتي مستقبله على يفعل بكسرها، فشذ هذا الفعل ونظائره، مثل: يبس ففيه أيضا الوجهان، وكذا: ورم يرم، ووقر يقر، مكسور مستقبلهما وماضيهما.

                                                                                                                                                                                                                              قال الداودي : وفيه دليل على المرجئة



                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية