الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      الفصل الخامس : في قود الجنايات وعقلها الجنايات على النفوس ثلاثة : عمد ، وخطأ ، وعمد شبه الخطإ .

                                      فأما العمد المحض فهو أن يتعمد قتل النفس بما يقطع بحده كالحديد أو بما يمور في اللحم مور الحديد أو ما يقتل غالبا بثقله كالحجارة والخشب فهو قتل عمد يوجب الحد .

                                      وقال أبو حنيفة العمد الموجب للقود ما قتل بحده من حديد وغيره إذا مار في اللحم مورا ، ولا يكون ما قتل بثقله أو ألمه من الأحجار والخشب عمدا ، ولا يوجب قودا .

                                      وحكم العمد عند الشافعي أن يكون ولي المقتول حرا مع تكافؤ الدمين بين القود والدية .

                                      وقال أبو حنيفة لولي [ ص: 288 ] المقتول أن ينفرد بالقود وليست له الدية إلا عن مراضاة القاتل .

                                      وولي الدم هو وارث المال من ذكر أو أنثى بفرض أو تعصيب .

                                      وقال مالك : أولياؤه ذكور الورثة دون إناثهم ولا قود لهم إلا أن يجتمعوا على استيفائه ، فإن عفا أحدهم سقط القود ووجبت الدية .

                                      وقال مالك : لا يسقط ، وإذا كان فيهم صغير أو مجنون لم يكن للبالغ والعاقل أن ينفرد بالقود وتكافؤ الدمين عند الشافعي أن لا يفضل القاتل على المقتول بحرية ، ولا إسلام ، فإن فضل القاتل عليه بأحدهما فقتل حر عبدا أو مسلم كافرا ، فلا قود عليه .

                                      وقال أبو حنيفة لا اعتبار بهذا التكافؤ فيقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر كما يقتل العبد بالحر والكافر بالمسلم وما تتحاماه النفوس من هذا وتأباه قد منع القائلين به من العمل عليه .

                                      حكي أنه رفع إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافرا فحكم عليه القود فأتاه رجل برقعة فألقاها إليه فإذا فيها مكتوب ( من السريع ) :

                                      يا قاتل المسلم بالكافر جرت وما العادل كالجائر     يا من ببغداد وأطرافها
                                      من علماء الناس أو شاعر     استرجعوا وابكوا على دينكم
                                      واصطبروا فالأجر للصابر     جار على الدين أبو يوسف
                                      بقتله المؤمن بالكافر

                                      فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد : تدارك هذا الأمر بحيلة لئلا تكون فتنة فخرج أبو يوسف وطالب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها فلم يأتوا بها فأسقط القود ; والتوصل إلى مثل هذا سائغ عند ظهور المصلحة فيه ويقتل العبد بالعبد ، وإن فضلت قيمة القاتل على المقتول .

                                      وقال أبو حنيفة لا قود على القاتل إذا زادت قيمته على قيمة المقتول .

                                      وإذا اختلف أديان الكفار قيد بعضهم ببعض .

                                      ويقاد الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل والكبير بالصغير والعاقل بالمجنون ، ولا قود على صبي ولا مجنون ولا يقاد والد ولد ويقاد الولد بالوالد والأخ بالأخ

                                      التالي السابق


                                      الخدمات العلمية