الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              208 (48) باب

                                                                                              كيف بدأ الإسلام وكيف يعود ؟

                                                                                              [ 114 ] عن أبي هريرة ; قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء .

                                                                                              رواه مسلم ( 145 ) ، وابن ماجه ( 3986 ) .

                                                                                              [ ص: 362 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 362 ] (48) ومن باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود ؟

                                                                                              (قوله : " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ") كذا روايته بهمز بدأ ، وفيه نظر ، وذلك أن بدأ مهموزا متعد إلى مفعول ; كقوله تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده [ الأنبياء : 104 ] قال صاحب الأفعال : يقال بدأ الله الخلق بدءا ، وأبدأهم : خلقهم ، وبدأ في الحديث لا يقتضي مفعولا ، فظهر الإشكال .

                                                                                              ويرتفع الإشكال بأن يحمل بدأ الذي في الحديث على طرأ فيكون لازما ، كما قد اتفق للعرب في كثير من الأفعال ، يتعدى حملا على صيغة ، ولا يتعدى حملا على أخرى ، كما قالوا : رجع زيد ورجعته ، وفغر فاه وفغر فوه ، وهو كثير . وقد سمعت من بعض أشياخي إنكار الهمزة ، وزعم أنه بدا بمعنى ظهر غير مهموز ، وهذا فيه بعد من جهة الرواية والمعنى . فأما الرواية بالهمز ، فصحيحة النقل عمن يعتمد على علمه وضبطه . وأما المعنى ، فبعيد عن مقصود الحديث ، فإن مقصوده أن الإسلام نشأ في أول أمره في آحاد من الناس وقلة ، ثم انتشر وظهر ، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة كابتدائه . وأصل الغربة البعد ، كما قال :


                                                                                              فلا تحرميني نائلا عن جناية فإني امرؤ وسط العباب غريب

                                                                                              [ ص: 363 ] ويحتمل أن يراد بالحديث المهاجرون ; إذ هم الذين تغربوا عن أوطانهم فرارا بأديانهم ، فيكون معناه أن آخر الزمان تشتد فيه المحن على المسلمين ، فيفرون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون . وقد ورد في الحديث : قيل : يا رسول الله ! من الغرباء ؟ قال : هم النزاع من القبائل ، إشارة إلى هذا المعنى ، والله أعلم . ولذلك قال الهروي : أراد بذلك المهاجرين . والنزاع جمع نزيع أو نازع ، وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته وبعد عن ذلك .




                                                                                              الخدمات العلمية