الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 470 ] سورة التوبة .

قال تعالى : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ( 1 ) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ) ( 2 ) .

قوله تعالى : ( براءة ) : فيه وجهان : أحدهما : هو خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : هذا براءة أو هذه ، و " من الله " نعت له . و " إلى الذين " متعلقة ببراءة كما تقول برئت إليك من كذا . والثاني : أنها مبتدأ ، و " من الله " نعت لها ، و " إلى الذين " الخبر . وقرئ شاذا " من الله " بكسر النون على أصل التقاء الساكنين . و ( أربعة أشهر ) : ظرف لفسيحوا .

قال تعالى : ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ) ( 3 ) .

قوله تعالى : ( وأذان ) : مثل " براءة " . و " إلى الناس " متعلق بأذان أو خبر له . ( أن الله بريء ) : المشهور بفتح الهمزة وفيه وجهان : أحدهما : هو خبر الأذان ؛ أي : الإعلام من الله براءته من المشركين . والثاني : هو صفة ؛ أي : وأذان كائن بالبراءة ، وقيل التقدير : وإعلام من الله بالبراءة ، فالباء متعلقة بنفس المصدر . ( ورسوله ) : يقرأ بالرفع ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : هو معطوف على الضمير في بريء ، وما بينهما يجري مجرى التوكيد ، فلذلك ساغ العطف . والثاني : هو خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : ورسوله بريء . والثالث : هو معطوف على موضع الابتداء ، وهو عند المحققين غير جائز ؛ لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة ، ويقرأ بالنصب عطفا على اسم إن .

[ ص: 471 ] ويقرأ بالجر شاذا ، وهو على القسم ، ولا يكون عطفا على المشركين ؛ لأنه يؤدي إلى الكفر .

قال تعالى : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ) ( 4 ) .

قوله تعالى : ( إلا الذين عاهدتم ) : في موضع نصب على الاستثناء من المشركين ، ويجوز أن يكون مبتدأ ، والخبر فأتموا .

( ينقصوكم ) : الجمهور بالصاد ، وقرئ بالضاد ؛ أي : ينقضوا عهودكم ، فحذف المضاف . و ( شيئا ) : في موضع المصدر .

قال تعالى : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) ( 5 ) .

قوله تعالى : ( واقعدوا لهم كل مرصد ) : المرصد مفعل من رصدت ، وهو هنا مكان ، و " كل " ظرف لاقعدوا . وقيل : هو منصوب على تقدير حذف حرف الجر ؛ أي : على كل مرصد أو بكل . . .

قال تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) ( 7 ) .

قوله تعالى : ( وإن أحد ) : هو فاعل لفعل محذوف دل عليه ما بعده .

و ( حتى يسمع ) : أي : إلى أن يسمع ، أو كي يسمع .

و " مأمن " مفعل من الأمن ، وهو مكان ، ويجوز أن يكون مصدرا ، ويكون التقدير : ثم أبلغه موضع مأمنه .

قال تعالى : ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ) ( 7 ) .

قوله تعالى : ( كيف يكون ) : اسم يكون " عهد " ، وفي الخبر ثلاثة أوجه : أحدها : كيف ، وقدم للاستفهام ، وهو مثل قوله : ( كيف كان عاقبة مكرهم ) [ النمل : 51 ] . والثاني : أنه " للمشركين " و " عند " على هذين ظرف للعهد ، أو ليكون ، أو للجار ، أو هي وصف للعهد . والثالث : الخبر " عند الله " ، و " للمشركين " تبيين أو متعلق بيكون ، وكيف حال من العهد .

[ ص: 472 ] ( فما استقاموا ) : في " ما " وجهان : أحدهما : هي زمانية ، وهي المصدرية على التحقيق ، والتقدير : فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم . والثاني : هي شرطية كقوله : ( ما يفتح الله ) [ فاطر : 2 ] والمعنى إن استقاموا لكم فاستقيموا . ولا تكون نافية ؛ لأن المعنى يفسد ؛ إذ يصير المعنى استقيموا لهم ؛ لأنهم لم يستقيموا لكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث