الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 209 ] كتاب الكتابة

لا يجب على السيد أن يكاتب عبده ، وحكى صاحب التقريب قولا أنها واجبة إذا طلبها العبد ، لقول الله تعالى : فكاتبوهم ، والمشهور الأول ، وبه قطع الجماهير ، كما لا يجب التدبير وشراء القريب ، والآية محمولة على الندب ، فتستحب الإجابة إذا طلبها العبد وكان أمينا قادرا على الكسب ، فإن فقد الشرطان ، لم يستحب ، ولكن لا يكره ; لأنها قد تفضي إلى العتق . وقال ابن القطان : يكره ، والصحيح الأول . وإن فقدت الأمانة ، وقدر على الكسب ، لم يستحب ، على الصحيح . وقيل : يستحب دون الاستحباب مع الشرطين ، وإن كان أمينا بلا كسب ، لم يستحب على الأصح . ولو طلب السيد الكتابة ، فامتنع العبد ، لم يجبره . وفي الكتابة بابان :

الأول : في أركان الكتابة ، وهي أربعة :

الأول : الصيغة ، وهي أن يقول لعبده : كاتبتك على ألف مثلا تؤديه إلي في نجمين مثلا أو أكثر ، فإذا أديت فأنت حر ، فيقول العبد قبلت . ولو لم يصرح بتعليق الحرية بالأداء ، لكن نواه بقوله : كاتبتك على كذا ، صحت الكتابة أيضا ، فإن لم يصرح بالتعليق ، ولا نواه ، لم يصح ، ولم يحصل العتق . ومنهم من خرج من التدبير قولا أن لفظ الكتابة صريح مغن عن التصريح بالتعلق ونيته ، وقد سبق في التدبير عن أبي إسحاق أنه قال : إن كان الرجل فقيها ، صحت كتابته بمجرد اللفظ ، وإلا فلا بد من التعليق أو نيته ، والمذهب الأول ، والفرق بين التدبير والكتابة أن التدبير مشهور بين الخواص والعوام ، [ ص: 210 ] والكتابة لا يعرفها العوام ، وقد نقلوا عن أبي إسحاق أنه قال على هذا : لو كان قريب الإسلام ، أو جاهلا بالأحكام لا يعرف التدبير ، لم ينعقد تدبيره بمجرد لفظة التدبير ، حتى تنضم إليه نية أو زيادة لفظ . وحكي وجه أنه إن ذكر ما تتميز به الكتابة عن المخارجة ، كفى ، كقوله : تعاملني أو أضمن لك أرش الجناية ، أو يستحق مني الإيتاء ، أو من الناس سهم الرقاب ، فيكفي عن تعليق الحرية بالأداء . ولا خلاف أنه لا يكفي قوله : كاتبتك ، وحده ، كما إذا قال : بعتك كذا ولم يذكر عوضا .

فرع

قال : أنت حر على ألف ، فقبل ، عتق في الحال ، وثبت الألف في ذمته ، وهو كقوله لزوجته : أنت طالق على ألف ، فقبلت ، ولو قال : إن أعطيتني ألفا ، أو أديت لي ألفا فأنت حر ، فلا يمكنه أن يعطيه من مال نفسه ; لأنه لا يملك . فلو أعطاه من مال غيره ، هل يعتق ؟ وجهان ، أصحهما : لا . والثاني : نعم ، فعلى هذا هل سبيله سبيل الكتابة الفاسدة ، أم تعليق محض ؟ وجهان ، فإن قلنا : كتابة فاسدة ، رد السيد ما أخذ ، ورجع على العبد بقيمته ، وتبعه كسبه وأولاده الحاصلة بعد التعليق .

وإن قلنا : تعليق ، فهل يرجع عليه بقيمته ؟ وجهان ، أصحهما : لا ، ولا يتبعه الكسب والولد ، بخلاف ما إذا قال لزوجته : إن أعطيتني ألفا ، فأنت طالق ، فأعطته مغصوبا ، وقلنا : تطلق ، فإنه يرجع لأنها أهل للالتزام وقت المخاطبة ، بخلاف العبد .

[ ص: 211 ] فرع

قال لعبده : بعتك نفسك بكذا ، فقال : اشتريت ، أو قال العبد : بعني نفسي بكذا ، فقال : بعتك ، صح البيع ، وثبت المال في ذمته ، وعتق في الحال ، كما لو أعتقه على مال . وذكر الربيع قولا أنه لا يصح . فمن الأصحاب من أثبته قولا ضعيفا ، ومنهم من نفاه وقال : هو تخريج له ، فعلى المذهب : للسيد الولاء ، كما لو أعتقه على مال ، وفيه وجه سبق . ولو أقر السيد بأنه باعه نفسه ، فأنكر العبد ، عتق بالإقرار ، وحلف أنه لم يشتر ، ولا شيء عليه .

ولو قال : بعتك نفسك بهذه العين ، أو بخمر ، أو خنزير ، فإن صححنا بيعه له ، وأثبتنا الولاء للسيد ، عتق ، وعليه قيمته ، كما لو قال : أعتقتك على خمر أو خنزير ، فإن قلنا : لا ولاء عليه ، لم يصح ، ولم يعتق ، كما لو باعه لأجنبي بخمر . ولو قال : وهبت لك نفسك ، أو ملكتك ، فقبل ، عتق . ولو أوصى له برقبته ، فقبل بعد الموت ، عتق .

واعلم أن الإعتاق على عوض ، وبيع العبد نفسه ، يشاركان الكتابة في أن كل واحد منها يتضمن إعتاقا بعوض ، ويفارقانها في الشروط والأحكام ، وهما عقدان مستقلان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث