الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3315 (16) باب

                                                                                              إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره ممن له أهلية ذلك

                                                                                              [ 1285 ] عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق ، رماه رجل من قريش ابن العرقة ، رماه في الأكحل ، فضرب عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيمة في المسجد يعوده من قريب ، فلما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الخندق وضع السلاح ، فاغتسل ، فأتى جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار ، فقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه! اخرج إليهم ، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: فأين؟. فأشار إلى بني قريظة ، فقاتلهم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، فنزلوا على حكم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، فرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحكم فيهم إلى سعد . فقال : فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة ، وأن تسبى الذرية والنساء ، وتقسم أموالهم .

                                                                                              رواه أحمد ( 6 \ 141 - 142) والبخاري (4122) ومسلم (1769) (65).

                                                                                              [ ص: 590 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 590 ] (16) ومن باب: إذا نزل العدو على حكم الإمام فله أن يرد الحكم إلى غيره

                                                                                              ( ابن العرقة ) - بالعين المهملة ، وكسر الراء- هي رواية الحفاظ ، وضبط المتقنين ، واسمه : حبان- بكسر الحاء- ابن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف . والعرقة : أمه ، واسمها : قلابة- بكسر القاف ، والباء بواحدة- بنت سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص . وقيل : اسمه : جبار بن قيس ، أحد بني العرقة . قال الدارقطني : والأول أصح . وقيل : العرقة - بفتح الراء- قاله الواقدي . وقال : إن أهل مكة يقولونه كذلك ، والأول أصح ، وأشهر .

                                                                                              والأكحل : عرق معروف . قال الأصمعي : إذا قطع في اليد لم يرقأ الدم ، وهو عرق الحياة ، في كل عضو منه شعبة لها اسم .

                                                                                              وقوله : ( فضرب عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيمة في المسجد ، يعوده من قريب ) ; هذا نص على أن سعدا كان مقيما في المسجد في هذه الحالة ، وقد ذكر في هذا الحديث بعد هذا : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أرسل إليه ، فأتاه ، فلما دنا قريبا من المسجد ، [ ص: 591 ] قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (قوموا إلى سيدكم) ، وظاهره : أنه كان خارجا عن المسجد ، وأنه أتى إليه . وهذا إشكال أوجبه اعتقاد اتخاذ المسجد في الموضعين ، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد استدعى سعدا لمسجده في المدينة ، وليس الأمر كذلك ، بل كان نازلا على بني قريظة ، ومنها وجه إليه ، فيحتمل أن يكون سعدا اختط هنالك مسجدا يصلي فيه ، فعبر الراوي عنه . وقال بعض علمائنا : المسجد هنا تصحيف من بعض الرواة ، وإنما اللفظ : فلما دنا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ، بدليل ما جاء في كتاب أبي داود : فلما دنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فكأن الراوي سمع : من النبي -صلى الله عليه وسلم- فتصحف عليه . والله تعالى أعلم .

                                                                                              وقوله : ( فلما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الخندق وضع السلاح ، فاغتسل ، فأتاه جبريل عليه السلام) هكذا وقع في الرواية : فأتاه- بالفاء- والصواب : طرحها ; فإنه جواب لما ، ولا تدخل الفاء في جواب لما ، وكأنها زائدة ، كما زيدت الواو في جوابها في قول امرئ القيس :


                                                                                              فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقــف ذي ركام عقنقل

                                                                                              وإنما هو : انتحى ، فزاد الواو .

                                                                                              وقوله : ( فقاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحكم فيهم إلى سعد ) ; هذا تفسير ، فينبغي أن يحمل عليه ما ليس [ ص: 592 ] بمفسر مما في الرواية الأخرى : أنهم نزلوا على حكم سعد ، فإنهم إنما نزلوا على حكمه بعد أن حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم . ومن هذا الموضع يؤخذ الحكم الذي أشرنا إليه في الترجمة ، وفيه رد على الخوارج المانعين للتحكيم في الدين ، ولم يصر أحد من علماء الصحابة ، ولا غيرهم إلى منعه سوى الخوارج .

                                                                                              قال القاضي عياض : والنزول على حكم الإمام أو غيره جائز ، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم ، فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع ، ولهم أن ينقلوا من حكم رجل إلى غيره . وهذا كله إذا كان الحكم ممن يجوز تحكيمه من أهل العلم ، والفقه ، والديانة ، فإذا حكم لم يكن للمسلمين ، ولا للإمام المجيز لتحكيمهم نقض حكمه ، إذا حكم بما هو نظر للمسلمين من قتل ، أو سباء ، أو إقرار على الجزية ، أو إجلاء . فإن حكم بغير هذا من الوجوه التي لا يبيحها الشرع لم ينفذ حكمه ، لا على المسلمين ، ولا على غيرهم .




                                                                                              الخدمات العلمية