الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون

جزء التالي صفحة
السابق

قوله - تعالى - : وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون .

الضمير المنصوب في ( جعلها ) على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة على معنى لا إله إلا الله ، المذكورة في قوله : إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني [ 43 \ 26 - 27 ] . لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات ، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات .

وهذا المعنى جاء موضحا في قوله : إنني براء مما تعبدون .

ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله .

وهذا المعنى جاء موضحا في قوله : إلا الذي فطرني فإنه سيهدين .

وضمير الفاعل المستتر في قوله : وجعلها .

قال بعضهم : هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق .

وقال بعضهم : هو راجع إلى الله - تعالى - .

فعلى القول الأول فالمعنى صير إبراهيم تلك الكلمة ( باقية في عقبه ) أي ولده وولد ولده .

وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم ، لأنه تسبب لذلك بأمرين : أحدهما : وصيته لأولاده بذلك ، وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه ، فيوصي به السلف منهم الخلف ، كما أشار - تعالى - إلى ذلك بقوله : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين الآية [ 2 \ 130 - 132 ] [ ص: 103 ]

والأمر الثاني هو سؤاله ربه - تعالى - لذريته الإيمان والصلاح ، كقوله - تعالى - وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي [ 2 \ 124 ] . أي واجعل من ذريتي أيضا أئمة ، وقوله - تعالى - عنه : رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي [ 14 \ 40 ] . وقوله عنه : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام [ 14 \ 35 ] . وقوله عنه هو وإسماعيل : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك إلى قوله : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم [ 2 \ 129 ] .

وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمدا - صلى الله عليه وسلم - .

ولذا جاء في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أنا دعوة إبراهيم " .

وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته ، كما قال - تعالى - في سورة " العنكبوت " : ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب [ 29 \ 27 ] . وقال عنه وعن نوح في سورة " الحديد " : ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب الآية [ 57 \ 26 ] .

وعلى القول الثاني أن الضمير عائد إلى الله - تعالى - فلا إشكال .

وقد بين - تعالى - في آية " الزخرف " هذه أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته ، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه ; لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا - صلى الله عليه وسلم - من عقبه بإجماع العلماء ، وقد كذبوه - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : إنه ساحر . وكثير منهم مات على ذلك . وذلك في قوله - تعالى - : بل متعت هؤلاء يعني كفار مكة وآباءهم ، حتى جاءهم الحق ورسول مبين ، هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون .

وما دلت عليه آية " الزخرف " هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم - دلت عليه آيات أخر من كتاب الله ، كقوله - تعالى - في " البقرة " : [ ص: 104 ] قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين [ 2 \ 124 ] . أي الظالمين من ذرية إبراهيم .

وقوله - تعالى - في " الصافات " : وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين [ 37 \ 113 ] .

فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه ، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك .

وقوله - تعالى - في " النساء " : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا .

وقد بين - تعالى - في " الحديد " أن غير المهتدين منهم كثيرون ، وذلك في قوله : ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون [ 57 \ 26 ] .

وقوله - تعالى - في هذه الآية الكريمة : لعلهم يرجعون أي جعل الكلمة باقية فيهم; لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم ; لأن الحق ما دام قائما في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول ، كما دل عليه قوله : لعلهم يرجعون .

والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم ; لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ، ومن يصير إلى الضلال .

وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ، وفي الكلام تقديم وتأخير .

والمعنى ( فإنه سيهدين ) ، ( لعلهم يرجعون ) ، ( وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ) ، أي قال لهم ، يتوبون عن عبادة غير الله . ا هـ منه .

وإيضاح كلامه أن المعنى أن إبراهيم قال لأبيه وقومه : ( إنني براء مما تعبدون ) لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق .

والضمير في قوله : ( لعلهم يرجعون ) على هذا راجع إلى أبيه وقومه .

[ ص: 105 ] وعلى ما ذكرناه أولا فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه ; لأن الضالين منهم داخلون في لفظ العقب .

فرجوع ضميرهم إلى العقب لا إشكال فيه ، وهذا القول هو ظاهر السياق ، والعلم عند الله - تعالى - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث