الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القديم والبقاء من صفاته تعالى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( القديم ) نعت لله ، وهو اسم من أسمائه ، وتقدم في الرحمن أنه ونحوه من أسماء الله - تعالى - وإن جرى مجرى الأعلام ، فهو وصف يراد به الثناء ، فأسماؤه - تعالى - أسماء ونعوت . والقديم هو الذي لم يسبق وجوده عدم ، فإنه - سبحانه وتعالى - متصف بالقدم ، وهي صفة سلبية في اصطلاحهم ، والصفات السلبية ما مدلولها عدم أمر لا يليق به - تعالى ، فقدمه - تعالى - ذاتي واجب له - تعالى ، غير مسبوق بعدم ، إذ هو - تعالى - لا ابتداء لوجوده . واعلم أن القدم إما ذاتي كقدم الواجب ، وإما زماني كقدم زمان الهجرة بالنسبة لليوم ، ومنه ( حتى عاد كالعرجون القديم ) ، ومنه القدم الإضافي كقدم الأب بالنسبة للابن .

( فائدة ) : القديم أخص من الأزلي ; لأن القديم موجود لا ابتداء لوجوده ، والأزلي ما لا ابتداء له وجوديا كان أو عدميا ، فكل قديم أزلي ولا عكس .

[ ص: 39 ] وفرق آخر أيضا ، وهو أن القديم يستحيل أن يلحقه تغير أو زوال ، بخلاف الأزلي الذي ليس بقديم ، كعدم الحوادث المنقطع بوجودها ، " الباقي " مشتق من البقاء ، وهو امتناع لحوق العدم ، والبقاء صفة واجبة له - تعالى - كما وجب له القدم ; لأن ما ثبت قدمه ، استحال عدمه ، لأنه - سبحانه - لو قدر لحوق العدم له لكانت نسبة الوجود والعدم إلى ذاته - تعالى - سواء ، فيلزم افتقار وجوده إلى موجد يخترعه بدلا عن العدم الجائز عليه - تقدس وتعالى عن ذلك - فيكون حادثا ، واللازم باطل فكذا الملزوم ; لأن وجوده - تعالى - واجب لذاته .

( تنبيه ) : نقل بعض المحققين أن البقاء صفة نفسية ، وعن الأشعري أنها صفة معنى ، والمشهور عند المتكلمين المحققين أنها صفة سلبية كالقدم ، ومنهم من ذهب إلى أن القدم سلبي ، والبقاء وجودي ، ومعنى ما ذكرنا أنه - تعالى - لا يشاب بالعدم ، وهذا من نعوت الجلال ، والجلال عبارة عن الصفات السلبية ، ففي القدم سلب الحدوث ، وفي البقاء سلب الفناء ولحوق العدم ، فنعوت الجلال كالقوام للكمال ، ( مسبب الأسباب ) المتوصل بها إلى مسبباتها ، أي خالق الأسباب المتوصل بها إلى المطلوب . قال أهل اللغة : السبب الحبل ، وكل شيء يتوصل به إلى أمر من الأمور . وفي عرف الشرع : ما يلزم من وجوده الوجود ، ويلزم من عدمه العدم لذاته ، فالأول احتراز من الشرط ، فإنه لا يلزم من وجوده الوجود ، والثاني احتراز من المانع ; لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته ، والثالث احتراز [ ص: 40 ] مما لو قارن السبب فقدان الشرط ووجود المانع كالنصاب قبل تمام الحول ، أو مع وجود الدين ، فإنه لا يلزم من وجوده الوجود لكن لا لذاته ، بل لأمر خارج عنه ، وهو انتفاء الشرط في الأول ، ووجود المانع في الثاني ، فالتقييد بكون ذلك لذاته للاستظهار على ما لو تخلف وجود المسبب مع وجدان السبب لفقد شرط ، أو وجود مانع كمن فيه سبب الإرث ، ولكنه قاتل أو رقيق ، وعلى ما لو وجد المسبب مع فقدان السبب ، لكن لوجود سبب آخر كالردة المقتضية للقتل إذا فقدت ، ووجد قتل يوجب القصاص ، أو زنا محصن ، فتخلف هذا الترتيب عن السبب ، لا لذاته بل لمعنى خارج ، ولهذا قال بعض الأصوليين : السبب عبارة عن وصف ظاهر منضبط ، دل الدليل الشرعي على كونه معرفا لثبوت حكم شرعي طرديا كان كجعل زوال الشمس سببا للصلاة ، أو غير طردي كالشدة المطربة ، سواء اطرد الحكم معه أو لم يطرد ; لأن السبب الشرعي يجوز تخصيصه ، وهو المسمى تخصيص العلة . فإن قلت : هل من أسمائه - تعالى - المسبب حتى أطلقته عليه ، مع أن أسماءه توقيفية ، أم كيف الحكم ؟ قلت : ذكر غير واحد من المحققين منهم الإمام المحقق في ( بدائع الفوائد ) أن ما يطلق عليه - سبحانه - في باب الأسماء والصفات توقيفي ، وما يطلق عليه في باب الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيا ، كالقديم والشيء والموجود ، أو القائم بنفسه .

قال في البدائع : فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه ، هل هي توقيفية ، أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لا يرد به السمع . ( تنبيه ) : في نسخة من منظومتي بدل مسبب الأسباب ( مقدر الآجال ) ، وهو أولى لأمرين : الأول أن المقدر من صفات أفعاله المعبر عنها بالفواضل ; لأن تقدير الآجال ، وفي نسخة بدل الآجال : الأقدار ، وهو أعم ، وتدبير الأمور والأحكام فعل هو إحسان منه - تعالى - وهو السبب لوجود الحمد والشكر ; لأن الإحسان يدعو إلى ذكر المحسن بفضائله التي يتأتى بها الإحسان ، والأقدار جمع قدر بسكون الدال ، وهو عبارة عن مبلغ الشيء ومنتهاه من حيث المكان والزمان ، وكل ما له قدر فمصنوع مفتقر إلى مخصص يقدر المتصف به من الأقدار من طول وعرض [ ص: 41 ] وعمق ، فالله - تعالى - جعل لكل شيء قدرا لا يتجاوزه ، وحدا لا يتعداه ، ( الثاني ) : الدلالة على تقدير الآجال ، جمع أجل محركة : غاية الوقت في الموت وحلول الدين ومدة الشيء ، قال - تعالى : ( إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ، ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) ، ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) ، والأخبار والآثار في ذلك كثيرة جدا ، ( و ) مقدر ( الأرزاق ) بالفتح جمع رزق بالكسر : ما ينتفع به من حلال وحرام ، ويأتي الكلام عليه في محله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث