الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أقسام المعجزة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين : الأول : ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - . والثاني : ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله ، واستفاضت بثبوته ووجوده ، ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة ; ومن شرطه أن يكون الناقلون له خلقا كثيرا وجما غفيرا ، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علما ضروريا ، وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد ، [ ص: 73 ] حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب ; وهذه صفة نقل القرآن ، ونقل وجود النبي عليه الصلاة والسلام ، لأن الأمة رضي الله عنها لم تزل تنقل القرآن خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده بالضرورة ، وصدقه بالأدلة المعجزات ; والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل ، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان ، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه ، لكثرة العدد ، ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به . ونظير ذلك من علم الدنيا علم الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان ، كالبصرة والشام والعراق وخراسان والمدينة ومكة ، وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة المتواترة ; فالقرآن معجزة نبينا - صلى الله عليه وسلم - الباقية بعده إلى يوم القيامة ، ومعجزة كل نبي انقرضت بانقراضه ، أو دخلها التبديل والتغيير ، كالتوراة والإنجيل .

ووجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة :

منها : النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها ; لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه : وما علمناه الشعر وما ينبغي له [ يس : 69 ] وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله ; قلت : فما يقول الناس ؟ قال يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر ; وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر لما قرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حم " فصلت ، على ما يأتي بيانه هنالك ; فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة ، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه .

ومنها : الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب .

ومنها : الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد [ ق : 1 ] إلى آخرها ، وقوله سبحانه : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [ الزمر : 67 ] إلى آخر السورة ، وكذلك قوله سبحانه : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون [ إبراهيم : 42 ] إلى آخر السورة . قال ابن الحصار : فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق ، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره ; ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : لمن الملك اليوم [ غافر : 16 ] ، ولا أن يقول : ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء [ الرعد : 42 ] .

قال ابن الحصار : وهذه الثلاثة من النظم ، والأسلوب ، والجزالة ، لازمة كل سورة ، بل هي [ ص: 74 ] لازمة كل آية ; وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر ; وبها وقع التحدي والتعجيز ، ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة ، من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة ; فهذه سورة " الكوثر " ثلاث آيات قصار ، وهي أقصر سورة في القرآن ، وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين : أحدهما : الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه ، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل . والثاني : الإخبار عن الوليد بن المغيرة ، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد ، على ما يقتضيه قوله الحق : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا [ المدثر : 11 - 14 ] ثم أهلك الله - سبحانه - ماله وولده ; وانقطع نسله .

ومنها : التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي ; حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه .

ومنها : الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ، ولا يخطه بيمينه ; فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها ، والقرون الخالية في دهرها وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه ، وتحدوه به من قصة أهل الكهف ، وشأن موسى والخضر عليهما السلام ، وحال ذي القرنين ; فجاءهم وهو أمي من أمة أمية ، ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السالفة صحته ; فتحققوا صدقه .

قال القاضي ابن الطيب : - ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم ; وإذ كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار ، وحملة الأخبار ، ولا مترددا إلى المتعلم منهم ، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه ; علما أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي .

ومنها : الوفاء بالوعد ، المدرك بالحس في العيان ، في كل ما وعد الله سبحانه ; وينقسم : إلى أخباره المطلقة ، كوعده بنصر رسوله عليه السلام ، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه . وإلى وعد مقيد بشرط ، كقوله : ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : 3 ] ومن يؤمن بالله يهد قلبه [ التغابن : 11 ] ومن يتق الله يجعل له مخرجا [ الطلاق : 3 ] و إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [ الأنفال : 65 ] وشبه ذلك .

ومنها : الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي ; فمن ذلك : ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق [ التوبة : 33 ] الآية . ففعل ذلك . وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ، ليثقوا بالنصر ، وليستيقنوا بالنجح ، وكان عمر يفعل ذلك ; فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا ، برا وبحرا ، قال الله تعالى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم [ النور : 55 ] وقال : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين [ الفتح : 27 ] . وقال : [ ص: 75 ] وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم [ الأنفال : 7 ] وقال : الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون [ الروم : 1 - 3 ] . فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين ، أو من أوقفه عليها رب العالمين ، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه .

ومنها : ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام ، في الحلال والحرام ، وفي سائر الأحكام .

ومنها : الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي .

ومنها : التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف قال الله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : 82 ] .

قلت : فهذه عشرة أوجه ذكره علماؤنا رحمة الله عليهم ، ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية : أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته ، والصرفة عند التحدي بمثله . وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن ، وذلك أن الله تعالى صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله . وهذا فاسد ، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز ; فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا ، وذلك خلاف الإجماع ، وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز ، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة ، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه ، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم ، دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا . واختلف من قال بهذه الصرفة على قولين : أحدهما : أنهم صرفوا عن القدرة عليه ; ولو تعرضوا له لعجزوا عنه . الثاني : أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم ; ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه .

قال ابن عطية : ( وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه : أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما ، وأحاط بالكلام كله علما ، فعلم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى ، وتبين المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط ; فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة . وبهذا النظر يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها أن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، فلما جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - صرفوا عن ذلك ، وعجزوا عنه . والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر والبدل ، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد .

ومن فصاحة القرآن أن الله تعالى جل ذكره ، ذكر في آية واحدة أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، [ ص: 76 ] وبشارتين وهو قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه [ القصص : 7 ] الآية . وكذلك فاتحة سورة المائدة : أمر بالوفاء ونهي عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن حكمته وقدرته ، وذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه ، وأنبأ سبحانه عن الموت ، وحسرة الفوت ، والدار الآخرة وثوابها وعقابها ، وفوز الفائزين ، وتردي المجرمين ، والتحذير من الاغترار بالدنيا ، ووصفها بالقلة بالإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة [ آل عمران : 185 ] الآية . وأنبأ أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين ، وعواقب المهلكين ، في شطر آية وذلك في قوله تعالى : فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا . وأنبأ جل وعز عن أمر السفينة وإجرائها وإهلاك الكفرة ، واستقرار السفينة واستوائها ، وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض والسماء بقوله عز وجل : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها [ هود : 41 ] إلى قوله : وقيل بعدا للقوم الظالمين [ هود : 44 ] إلى غير ذلك .

فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقوله أنزل الله تعالى : أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين [ الطور : 33 - 34 ] . ثم أنزل تعجيزا ; أبلغ من ذلك فقال : أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات [ هود : 13 ] . فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار ، إلى مثل سورة من السور القصار ; فقال جل ذكره : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله [ البقرة : 23 ] . فأفحموا عن الجواب ، وتقطعت بهم الأسباب ، وعدلوا إلى الحروب والعناد ، وآثروا سبي الحريم والأولاد ، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا ، وأبلغ في الحجة وأشد تأثيرا . هذا مع كونهم أرباب البلاغة واللحن . وعنهم تؤخذ الفصاحة واللسن .

فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان ، وأرفع درجات الإيجاز والبيان ; بل تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة . هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما أوتي من جوامع الكلم ، واختص به من غرائب الحكم ; إذا تأملت قوله - صلى الله عليه وسلم - في صفة الجنان ، وإن كان في نهاية الإحسان ، وجدته منحطا عن رتبة القرآن ; وذلك في قوله عليه السلام : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فأين ذلك من قوله عز وجل : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين [ الزخرف : 71 ] . وقوله : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [ السجدة : 17 ] . هذا أعدل وزنا ، وأحسن تركيبا ، وأعذب لفظا ، وأقل حروفا ; على أنه لا يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية ، لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرف ، وضاق المقال على القاصر المتكلف ; وبهذا قامت الحجة على العرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة ، ومظنة المعارضة ; كما قامت الحجة في [ ص: 77 ] معجزة عيسى عليه السلام على الأطباء ، ومعجزة موسى عليه السلام على السحرة ; فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم السلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أراد إظهاره ; فكان السحر في زمان موسى عليه السلام قد انتهى إلى غايته ; وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السلام ، والفصاحة في زمن - محمد - صلى الله عليه وسلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث