الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث والأربعون ألحقوا الفرائض بأهلها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 419 ] الحديث الثالث والأربعون . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت الفرائض ، فلأولى رجل ذكر . خرجه البخاري ومسلم .

التالي السابق


هذا الحديث الذي زعم بعض شراح هذه الأربعين أن الشيخ رحمه الله أغفله ، فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع لها ، وهذا الحديث خرجاه من رواية وهيب ، وروح بن القاسم ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس وخرجه مسلم من رواية معمر ، ويحيى بن أيوب ، عن ابن طاوس أيضا . وقد رواه الثوري ، وابن عيينة وابن جريج وغيرهم ، عن ابن طاوس عن أبيه مرسلا من غير ذكر ابن عباس ، ورجح النسائي إرساله . وقد اختلف العلماء في معنى قوله : ألحقوا الفرائض بأهلها : فقالت طائفة : المراد بالفرائض الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ، والمراد : أعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها الله لهم ، فما بقي بعد هذه الفروض ، فيستحقه أولى الرجال ، والمراد بالأولى الأقرب ، كما يقال : هذا [ ص: 420 ] يلي هذا ، أي يقرب منه ، فأقرب الرجال هو أقرب العصبات ، فيستحق الباقي بالتعصيب ، وبهذا المعنى فسر الحديث جماعة من الأئمة ، منهم الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، نقله عنهما إسحاق بن منصور ، وعلى هذا ، فإذا اجتمع بنت وأخت وعم وابن عم أو ابن أخ ، فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة ، وهذا قول ابن عباس ، وكان يتمسك بهذا الحديث ، ويقر بأن الناس كلهم على خلافه ، وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضا . وقال إسحاق : إذا كان مع البنت والأخت عصبة ، فالعصبة أولى ، وإن لم يكن معها أحد ، فالأخت لها الباقي ، وحكي عن ابن مسعود أنه قال : البنت عصبة من لا عصبة له ، ورد بعضهم هذا ، وقال : لا يصح عن ابن مسعود . وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس ، ثم رجعا عنه . وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل ، منهم عمر ، وعلي ، وعائشة ، وزيد ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وتابعهم سائر العلماء . وروى عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج : سألت ابن طاوس عن ابنة وأخت ، فقال : كان أبي يذكر عن ابن عباس ، عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيئا ، وكان طاوس لا يرضى بذلك الرجل ، قال : وكان أبي يشك فيها ، ولا يقول فيها شيئا ، وقد كان يسأل عنها . والظاهر - والله أعلم - أن مراد طاوس هو هذا الحديث ، فإن ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ميراث الأخت مع البنت ، إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث . وما ذكره طاوس أن ابن عباس رواه عن رجل وأنه لا يرضاه ، فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة ، والصحابة كلهم عدول قد رضي الله عنهم ، [ ص: 421 ] وأثنى عليهم ، فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاوس . وفي " صحيح " البخاري عن أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل ، قال : جاء رجل إلى أبي موسى ، فسأله عن ابنة وابنة ابن ، وأخت لأب وأم ، فقال : للابنة النصف ، وللأخت ما بقي وائت ابن مسعود فسيتابعني ، فأتى ابن مسعود ، فذكر ذلك له ، فقال : لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي ، فللأخت ، قال : فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود ، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم . وفيه أيضا عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود بن يزيد ، قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة ، والنصف للأخت ، ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يذكره . وخرجه أبو داود من وجه آخر عن الأسود ، وزاد فيه : ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي . واستدل ابن عباس لقوله بقول الله عز وجل : قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [ النساء : 176 ] وكان يقول : أأنتم أعلم أم الله ؟ يعني أن الله لم يجعل لها النصف إلا مع عدم الولد ، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت . والصواب قول عمر والجمهور ، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك ؛ لأن المراد بقوله : فلها نصف ما ترك بالفرض ، وهذا مشروط بعدم الولد [ ص: 422 ] بالكلية ، ولهذا قال بعده : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك [ النساء : 176 ] يعني بالفرض ، والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى ، فكذلك الأختان فصاعدا إنما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى ، فإن كان هناك ولد ، فإن كان ذكرا ، فهو مقدم على الإخوة مطلقا ذكورهم وإناثهم ، وإن لم يكن هناك ولد ذكر ، بل أنثى فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق ، فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها ؛ فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه ؟ وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطا لها ، فيتعين تقديمها عليه ، لامتناع مشاركته لها ، فمفهوم الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض ، وهذا حق ليس مفهوما أن الأخت تسقط بالبنت ، ولا تأخذ ما فضل من ميراثها ، يدل عليه قوله تعالى : وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [ النساء : 176 ] ، وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات ، وإنما وجود الولد الأنثى يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كله ، فكما أن الولد إن كان ذكرا ، منع الأخ من الميراث ، وإن كان أنثى ، لم يمنعه الفاضل عن ميراثها ، وإن منعه حيازة الميراث ، فكذلك الولد إن كان ذكرا منع الأخت الميراث بالكلية ، وإن كان أنثى منعت الأخت أن يفرض لها النصف ، ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث