الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض

1220 [ ص: 7 ] 21 باب ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض

1176 - مالك ، عن نافع : أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " مره فليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، [ ص: 8 ] ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد . وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " .

التالي السابق


26601 - هكذا روى هذا الحديث نافع ، عن ابن عمر ، قال به : حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر .

26602 - كذلك رواه مالك ، وعبد الله بن عمر ، وأيوب ، وابن جريج ، والليث بن سعد ، ومحمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر .

[ ص: 9 ] 26603 - ولم يخالفهم في هذا المعنى أحد عن نافع .

26604 - وكذلك رواه ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال فيه ، كما قال نافع : " حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر " ، ولم يختلف على ابن شهاب في ذلك .

26605 - وكذلك رواه علقمة ، عن ابن عمر ، قال فيه : حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، إلا أنه لم يقل فيه : قبل أن يمس .

26606 - وكذلك روى عطاء الخراساني ، عن ابن عمر ، عن النبي - [ ص: 10 ] عليه السلام - مثل رواية ابن شهاب ، عن سالم .

26607 - ورواه يونس بن جبير ، وأنس بن سيرين ، وعبد الرحمن بن أيمن ، وسعيد بن جبير ، ويزيد بن أسلم ، وأبو الزبير ، كلهم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مره ، فليراجعها حتى تطهر ، ثم إن شاء الله طلق ، وإن شاء أمسك " لم يقولوا : ثم تحيض ، ثم تطهر .

26608 - وكذلك رواه منصور ، عن أبي وائل ، عن ابن عمر .

26609 - وكذلك أيضا رواه محمد بن عبد الرحمن ، عن سالم ، عن ابن عمر ، إلا أن محمد بن عبد الرحمن زاد في هذا الحديث ذكر الحامل ، فقال فيه : إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس ، أو حاملا .

[ ص: 11 ] [ ص: 12 ] 26610 - وقد ذكرنا الآثار بذلك كله في " التمهيد " .

26611 - ولا نعلم خلافا أن طلاق الحامل إذا تبين حملها طلاق سنة إذا طلقها واحدة ، وأن الحمل كله موضع للطلاق .

26612 - قال ابن أبي ذئب : سألت الزهري عن ذلك ؟ فقال : حملها كله وقت لطلاقها .

26613 - ولم يختلفوا في ذلك .

26614 - والأصل فيه ما حدثني سعيد ، وعبد الوارث ، قالا : حدثني قاسم ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو بكر ، قال : حدثني وكيع ، عن سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن - مولى آل طلحة ، عن سالم ، عن ابن عمر : أنه طلق امرأته ، وهي حائض ، فذكر ذلك عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " مره ، فليراجعها ، ثم ليطلقها طاهرا ، أو حاملا " .

26615 - قال أبو عمر : ذهب إلى ما رواه نافع : فقهاء الحجازيين منهم : مالك ، والشافعي ، فقالوا فيمن طلق امرأته حائضا : إنه يراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء طلق قبل أن يمس ، وإن شاء أمسك .

[ ص: 13 ] 26616 - وذهب أبو حنيفة ، وأصحابه ، وأكثر العراقيين إلى ما رواه يونس بن جبير ، وسعيد بن جبير ، وأنس بن سيرين ، ومن تابعهم عن عمر في هذا الحديث ، فقالوا : يراجعها ، فإن طهرت طلقها إن شاء .

26617 - وإلى هذا ذهب المزني - صاحب الشافعي - فقالوا : إنما أمر المطلق في الحيض بالمراجعة ; لأن طلاقه ذلك أخطأ فيه السنة ، فأمر أن يراجعها ليخرجها من أسباب الطلاق الخطأ ، ثم يتركها حتى تطهر من تلك الحيضة ، ثم يطلقها إن شاء طلاقا صوابا .

[ ص: 14 ] 26618 - ولم يروا للحيضة الأخرى بعد ذلك معنى ، وصاروا إلى رواية من روى ذلك عن ابن عمر .

26619 - وأما القائلون بما رواه نافع ، ومن تابعهم في أنها تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر : منهم : أصحاب الشافعي ، وغيرهم ، فقالوا : الطهر الثاني والحيضة الثانية وجوه ومعان حسان منها :

26620 - أنه لما طلق في الموضع الذي نهي عنه لئلا تطول عدة المرأة أمر بمراجعتها ، ليوقع الطلاق على سنته ، ولا يطول في العدة على امرأته ، فلو أتيح له أن يطلقها إذا طهرت من تلك الحيضة كانت في معنى المطلقة قبل الدخول ، وكانت تبني على عدتها الأولى ، فأراد الله - عز وجل - على لسان رسوله أن يقطع صلاة الحائض بالوطء ، فإذا وطئها في الطهر لم تتهيأ له أن يطلقها .

26621 - وفيه : أنه قد نهي أن يطلقها في طهر حتى تحيض عنده ، ثم تطهر بعد ذلك ، استأنفت عدتها بعد ذلك ، ولم تبن .

26622 - وقيل في الطهر الثاني : جعل للإصلاح الذي قال الله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [ البقرة : 228 ] لأن حق المرتجع ، أن لا يرجع رجعة ضرار ; لقوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا [ البقرة : 231 ]

[ ص: 15 ] 26623 - قالوا : فالطهر الأول فيه الإصلاح بالوطء ، فإذا وطئ لم يجز له أن يطلق في ذلك الطهر ، ولزمه أن يتزوجها حتى تحيض ، ثم تطهر إن أراد طلاقها .

26624 - وقيل : إن مراجعته لها لم تعلم صحتها إلا بالوطء ; لأنه المنتفي من النكاح والمراجعة في الأغلب ، وكان ذلك الطهر موضعا للوطء الذي تستعين به المراجعة ، فإذا مسها لم يكن له سبل إلى طلاقها في طهر قد مسها فيه ; للنهي عن ذلك ; ولإجماعهم على أنه لو فعل كان مطلقا لغير العدة ، فقيل له : دعها ، حتى تحيض أخرى ، ثم تطهر ، ثم تطلق ، وإن شئت قبل أن تمس .

26625 - وقد جاء معنى ما ذكرنا من هذه الوجوه منصوصا في حديث ابن عمر .

26626 - حدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني إبراهيم بن عبد الرحيم ، قال : حدثني معلى بن عبد الرحمن الواسطي ، قال : حدثني عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثني نافع ، ومحمد بن قيس ، عن عبد الله بن عمر : أنه طلق امرأته ، وهي في دمها حائض ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ، فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت آخرا ، فإن شاء طلقها ، وإن شاء أمسكها .

26627 - وقيل : إنه لو أتيح له أن يطلقها بعد الطهر من تلك الحيضة كان كأنه قد أمن أن يراجعها ليطلقها ، فاشتبه النكاح إلى أجل ، ونكاح المتعة ، فلم يجعل له ذلك حتى يطأ .

26628 - وقيل في ذلك أيضا غير ذلك ما يطول ذكره ، وما ذكرناه هو الذي [ ص: 16 ] عليه مراد معنى توجيهاتهم في قوله : ثم تحيض ، ثم تطهر ، وبالله التوفيق .

26629 - وأجمع العلماء على أن الطلاق في الحيض مكروه لمن أوقعه ، وأن من فعله لم يطلق للعدة التي أمر الله تعالى ، والدليل على ذلك من أخبار الآحاد العدول ، تغيظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابن عمر حين فعل ذلك .

26630 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني أحمد بن صالح ، قال : حدثني عنبسة ، قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، عن أبيه أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فذلك الطلاق ، والعدة كما أمر الله - عز وجل - " .

26631 - واختلفوا في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المطلق في الحيض بالرجعة :

26332 - فقال قوم عوقب بذلك ; لأنه تعدى ما أمر الله به ، ولم يطلق للعدة ، فعوقب بإمساك من لم يرد إمساكه حتى يطلق كما أمر للعدة .

26632 - قال آخرون : إنما أمر بذلك قطعا للضرر في التطويل عليها ; لأنه إذا طلقها في الحيض ، فقد طلقها في وقت لا تعتد به من قرئها الذي تعتد به ; فتطول عدتها ; فنهى أن يطول عليها ، وأمر ألا يطلقها إلا عند استقبال عدتها .

26633 - وكذلك كان ابن عمر يقرأ : " فطلقوهن لقبل عدتهن " .

[ ص: 17 ] 26634 - وفي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمر بمراجعة امرأته التي طلقها حائضا دليل يبين على أن الطلاق في الحيض واقع لازم ; لأن المراجعة لا تكون إلا بعد صحة الطلاق ، ولزومه ، ولو لم يكن الطلاق واقعا لازما ما قال : مره فليراجعها ; لأن من لم يطلق لا يقال له راجع ; لأنه محال أن يقال لرجل امرأته في عصمته لم يفارقها : راجعها ، بل كان يقال له : طلاقك لم يصنع شيئا ، وامرأتك بعده كما كانت قبله ، ونحو هذا .

26635 - ألا ترى أن الله - عز وجل - قال في المطلقات : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك [ البقرة : 228 ] يعني : في العدة .

وهذا لا يستقيم أن يكون مثله في الزوجات غير المطلقات .

26636 - وعلى هذا فقهاء الأمصار ، وجمهور علماء المسلمين ، إن كان الطلاق عند جميعهم في الحيض مكروها ، بدعة ، غير سنة .

26637 - ولا يخالف الجماعة في ذلك إلا أهل البدع ، والجهل الذين يرون الطلاق لغير السنة غير واقع ، ولا لازم .

26638 - وقد روي ذلك عن بعض التابعين .

26639 - وهذا شذوذ لم يعرج عليه أحد من أهل العلم ; لما روي ; ولأن ابن عمر الذي عرضت له القضية احتسب بتلك التطليقة وأفتى بذلك ، وهو مما لا يدفع علمه بقصة عرضت له .

26640 - أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، [ ص: 18 ] قال : حدثني أبو قلابة ، قال : حدثني بشر بن عمر ، قال : حدثني شعبة ، عن أنس بن سيرين ، عن ابن عمر قال : طلقت امرأتي - وهي حائض - فأتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال له النبي - عليه السلام - : " مره فليراجعها ، ثم ليطلقها إن شاء إذا طهرت " . فقال له أنس : أفتعتد بتلك التطليقة ; قال : نعم .

26641 - وحدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثني عبد الله بن محمد بن المفسر ، قال : حدثني أحمد بن علي بن سعيد القاضي المروزي ، قال : حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، قال : حدثني ابن إدريس ، عن عبيد الله بن عمر ، ويحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : طلقت امرأتي وهي حائض ، فأتى عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، فقال : مره فليراجعها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء طلقها قبل أن يراجعها ، وإن شاء أمسك ، فإنها العدة التي قال الله - عز وجل - " .

قال عبيد الله : قلت لنافع : ما فعل تلك التطليقة ؟ فقال : اعتد بها .

26642 - وروى الشافعي : قال : أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج أنهم أرسلوا إلى نافع ليسأله : هل حبس التطليقة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : نعم .

26643 - وروى أيوب السختياني ، وسلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين ، عن أبي غلاب يونس بن جبير ، قال : فسألنا ابن عمر : قلت لرجل طلق امرأة وهي [ ص: 19 ] حائض ، فذكر الخبر ، وفيه : فقلت : فتعتد بتلك التطليقة ، فقال : فمه ؟ قال : أرأيت إن عجز ، فاستحمق .

26644 - وقد ذكرنا هذا الخبر من طرق في " التمهيد " ، ومعنى قول ابن عمر فيه : أرأيت إن عجز ، واستحمق ، أي : وهل من ذلك بد ؟ أرأيت لو تعاجز عن فرض آخر من فرائض الله تعالى ، فلم يقمه أو استحمق ، فلم يأت به ، أكان يعذر فيه ؟ ونحو هذا من الإنكار على من شذ أنه لا يعتد بها .

26645 - والدليل على ذلك مذهب ابن عمر ; لأنه كان يفتي فيمن طلق امرأته ثلاثا في الحيض أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .

26646 - ولو كان الطلاق في الحيض غير جائز لم يلزمه ، ثلاثا كانت أو واحدة .

[ ص: 20 ] 26647 - أخبرنا أحمد بن محمد ، وخلف بن حماد ، قالا : حدثني أحمد بن مطرف ، قال : حدثني عبيد الله بن يحيى ، عن أبيه ، عن الليث بن سعد ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض تطليقة واحدة ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض عنده حيضة أخرى ، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها ، فإن أراد أن يطلقها ، فليطلقها حين تطهر قبل أن يجامعها ، فتلك العدة التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطلق لها النساء .

26648 - وكان ابن عمر إذا سئل عن ذلك ، قال : إذا أنت طلقت امرأتك ، وهي حائض مرة ، أو مرتين ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثا ، فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك ، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك .

26649 - ومن جهة النظر قد علمنا أن الطلاق ليس من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله - عز وجل - كالصلاة ، والصيام ، وغيرهما ، فلا تقع إلا على سنتها ، وإنما هي زوال عصمة فيها حق لآدمي ، فكيفما أوقعه على سنته ، أو على غير سنته وقع ، إلا أنه إن أوقعه على غير سنته أثم ، ولزمه ما أوقع منه .

[ ص: 21 ] 26650 - ومحال أن يلزم المطيع المتبع للسنة طلاقه ، لا يلزم العاصي المخالف ; لأنه لو لزم المطيع لم يكن العاصي لكان العاصي أحسن حالا ، وأحق من المطيع .

26651 - وقد احتج قوم من أهل العلم في أن الطلاق في الحيض لازم ; لقول الله - عز وجل - : ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه [ الطلاق : 1 ] يقول : عصى ربه ، وفارق امرأته .

26652 - واختلف العلماء فيمن طلق زوجته حائضا ، هل يجبر على رجعتها إن أبى ذلك ؟

[ ص: 22 ] 26653 - فقال مالك ، وأصحابه : يجبر على رجعتها إذا طلقها ، وفي الحيض ، أو في دم النفاس ، حملوا الأمر ، وذلك على الوجوب ، وقاسوا النفاس على الحيض .

26654 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، [ ص: 23 ] وابن أبي ليلى ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وابن شبرمة ، وأبو ثور ، والطبري : يؤمر برجعتها ، ولا يجبر على ذلك .

26655 - وقال داود : كل من طلق امرأته حائضا واحدة ، أو اثنتين أجبر على رجعتها ، وإن طلقها نفساء لم يجبر على رجعتها .

26656 - وقال أبو عمر : لم يختلفوا أنها إذا انقضت عدتها لم يجبر على رجعتها ، فدل ذلك على أن الأمر بمراجعتها ندب . والله أعلم .

26657 - وقال مالك ، وأكثر أصحابه : يجبر المطلق في الحيض على الرجعة في الحيضة التي طلق فيها ، وفي الطهر بعدها ، وفي الحيضة بعد الطهر ، وفي الطهر بعدها ، ما لم تنقض عدتها ، إلا أشهب بن عبد العزيز قال : يجبر على الرجعة في الحيضة الأولى ما لم تطهر منها ، فإذا صارت في حال يجوز له طلاقها فيه لم يجبر على رجعتها .

26658 - ولم يختلف مالك ، وأصحابه أنه لا يطلقها في الطهر الأول ; لأنه يمسها فيه ، فإذا حاضت بعده ، ثم طهرت طلقها إن شاء .

26659 - وأجمع العلماء أنه إذا طلقها في طهر لم يمسها فيه لم يجبر على رجعتها ، ولم يؤمر بذلك ، وإن كان طلاقه قد وقع على غير سنة ، وإنما يجبر [ ص: 24 ] ويؤمر إذا طلقها حائضا .

26660 - وفي هذا الحديث دليل على أن الأقراء : الأطهار ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك السنة التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطلق لها النساء ، فأخبر أن الطلاق للعدة لا يكون إلا في طهر تعتد به ، وموضع يحتسب به من عدتها ، ويستقبلها من حينئذ .

[ ص: 25 ] 26661 - وكان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - بيانا لقوله - عز وجل - : فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق : 1 ] .

26662 - وقد قرئت : لقبل عدتهن ، أي لاستقبال عدتهن .

26663 - ونهى عن الطلاق في الحيض ; لأنها لا تستقبل العدة في تلك الحيضة عند الجميع ; لأن من قال : الأقراء : الحيض لا يجزئ بتلك الحيضة من الثلاث حيض عنده حتى تستقبل حيضة بعد طهر .

26664 - وقد ذكرنا ما للعلماء في معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر ، عن الطلاق في الحيض ، وأمره إياه بالمراجعة ، فأغنى ذلك عن تكراره .

26665 - وقد اختلف السلف ، والخلف من العلماء في معنى " الأقراء " التي عناه الله - عز وجل - بقوله : ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] .

[ ص: 26 ] 26666 - فقال منهم قائلون ، وهم أهل العراق : الأطهار في معنى هذه الآية الحيض .

26667 - وقال آخرون ، وهم جمهور أهل المدينة ، معناه : الأطهار ، والطهر : ما بين الحيضة والحيضة .

26668 - ولم يختلف أهل اللغة والعلم بلسان العرب أن القرء يكون في اللسان العربي حيضة ، ويكون طهرا .

[ ص: 27 ] 26669 - ولا اختلف العلماء في ذلك أيضا ، وإنما اختلفوا في المعنى المراد بقوله - عز وجل - : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] على القولين المذكورين .

26670 - وقد ذكرنا أن في حديث ابن عمر هذا ما يدل على أن القرء : الطهر .

26671 - ويدل من السنة أيضا أنه الحيض ، قوله - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة : " اتركي الصلاة أيام أقرائك " ، والصلاة لا تتركها إلا في أيام حيضها .

26672 - وقد أوردنا من شواهد أشعار العرب على القولين جميعا ما فيه بيان ، وكفاية في " التمهيد " .

26673 - وذكرنا - أيضا - قول من قال : إن القرء الوقت ، وشاهده من الشعر أيضا .

26674 - واجتلبنا أقوال أهل اللغة هناك في الأقراء ، وما لوحنا به هاهنا كاف ، والحمد لله .

[ ص: 28 ] 26675 - فمن شاهد الشعر على أن الأقراء الأطهار قول الأعشى :

وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا     مورثة مالا وفي الحمد رفعة
لما ضاع فيها من قروء نسائكا



26676 - يريد أنه لم يقرب نساءه في أقرائهن يعني أطهارهن .

26677 - ومن شاهد هذا الشعر في أن القرء الحيض ، قول الآخر :

يا رب ذي ظعن على فارض     له قرء كقرء الحائض



26678 - وقد روي : يا رب ذي ضب .

[ ص: 29 ] 26679 - والضب العداوة ، والظعن مثله .

26680 - يقول : إن عداوته تهيج حينا بعد حين . كما يهيج الحيض وقتا بعد وقت .

26681 - وممن قال : إن القرء وقت الحيض ، ووقت الطهر ، استشهد بقول الهذلي :

كرهت العقر عقر بني شليل     إذا هبت لقارئها الرياح


26682 - يعني لوقتها .

26683 - وذكر الطحاوي ، قال : حدثني محمود بن حسان النحوي : قال : حدثني عبد الملك بن هشام ، قال : حدثني أبو زيد الأنصاري ، قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : العرب تسمي الطهر قرءا . وتسمي الحيض قرءا وتسمي الحيض مع الطهر جميعا قرءا .

26684 - وقال الأصمعي : أصل القرء الوقت ، يقال : أقرأت النجوم إذا طلعت لوقتها .

26685 - قال أبو عمر : قول من قال : إن القرء مأخوذ من قولهم : قريت [ ص: 30 ] الماء في الحوض ليس بشيء عندهم ; لأن القرء مهموز ، وهذا غير مهموز .

26686 - وأما اختلاف العلماء في معنى الأقراء ، فذكر مالك في هذا الباب :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث