الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل من مات له ولد فاحتسب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب فضل من مات له ولد فاحتسب وقال الله عز وجل وبشر الصابرين

1191 حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم

التالي السابق


قوله : ( باب فضل من مات له ولد فاحتسب ) قال الزين بن المنير : عبر المصنف بالفضل ليجمع بين مختلف الأحاديث الثلاثة التي أوردها ، لأن في الأول دخول الجنة ، وفي الثاني الحجب عن النار ، وفي الثالث تقييد الولوج بتحلة القسم ، وفي كل منها ثبوت الفضل لمن وقع له ذلك . ويجمع بينها بأن يقال : الدخول لا يستلزم الحجب ، ففي ذكر الحجب فائدة زائدة لأنها تستلزم الدخول من أول وهلة ، وأما الثالث ، فالمراد بالولوج الورود ، وهو المرور على النار كما سيأتي البحث فيه عند قوله : " إلا تحلة القسم " . والمار عليها على أقسام : منهم من لا يسمع حسيسها ، وهم الذين سبقت لهم الحسنى من الله كما في القرآن ، فلا تنافي مع هذا بين الولوج والحجب ، وعبر بقوله : " ولد " ليتناول الواحد فصاعدا ، وإن كان حديث الباب قد قيد بثلاثة أو اثنين ، لكن وقع في بعض طرقه ذكر الواحد ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعا : من دفن ثلاثة [ ص: 143 ] فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة . فقالت أم أيمن : أو اثنين ؟ فقال : أو اثنين . فقالت : وواحد ؟ فسكت ، ثم قال : وواحد . أخرجه الطبراني في الأوسط . وحديث ابن مسعود مرفوعا : من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا من النار . قال أبو ذر : قدمت اثنين . قال : واثنين . قال أبي بن كعب : قدمت واحدا . قال : وواحدا . أخرجه الترمذي وقال : غريب . وعنده من حديث ابن عباس رفعه : من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة . فقالت عائشة : فمن كان له فرط ؟ قال : ومن كان له فرط . الحديث . وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج ، بل وقع في رواية شريك التي علق المصنف إسنادها كما سيأتي ، ولم يسأله عن الواحد ، وروى النسائي ، وابن حبان من طريق حفص بن عبيد الله ، عن أنس أن المرأة التي قالت : واثنان ، قالت بعد ذلك : يا ليتني قلت : وواحد . وروى أحمد من طريق محمود بن لبيد عن جابر رفعه : من مات له ثلاث من الولد فاحتسبهم دخل الجنة ، قلنا : يا رسول الله ، : واثنان ؟ قال محمود : قلت لجابر : أراكم لو قلتم : وواحد لقال : وواحد . قال : وأنا أظن ذلك . وهذه الأحاديث الثلاثة أصح من تلك الثلاثة ، لكن روى المصنف من حديث أبي هريرة كما سيأتي في الرقاق مرفوعا : " يقول الله عز وجل : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ، ثم احتسبه إلا الجنة . وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه ، وهو أصح ما ورد في ذلك ، وقوله : " فاحتسب " ؛ أي صبر راضيا بقضاء الله راجيا فضله ، ولم يقع التقييد بذلك أيضا في أحاديث الباب ، وكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه أيضا كما في حديث جابر بن سمرة المذكور قبل ، وكذا في حديث جابر بن عبد الله ، وفي رواية ابن حبان ، والنسائي من طريق حفص بن عبيد الله بن أنس عن أنس رفعه : من احتسب من صلبه ثلاثة دخل الجنة . الحديث . ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا دخلت الجنة . الحديث . ولأحمد ، والطبراني من حديث عقبة بن عامر رفعه : من أعطى ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة . وفي الموطأ عن أبي النضر السلمي رفعه : لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا جنة من النار . الحديث . وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية ، فلا بد من قيد الاحتساب ، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة ، ولكن أشار الإسماعيلي إلى اعتراض لفظي ، فقال : يقال في البالغ : احتسب ، وفي الصغير : افترط . انتهى . وبذلك قال الكثير من أهل اللغة ، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل أن لا يستعمل هذا موضع هذا ، بل ذكر ابن دريد وغيره : احتسب فلان بكذا : طلب أجرا عند الله ، وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير ، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها وهي حجة في صحة هذا الاستعمال .

قوله : ( وقول الله عز وجل : وبشر الصابرين ) في رواية كريمة والأصيلي : " وقال الله " ، وأراد بذلك الآية التي في البقرة ، وقد وصف فيها الصابرون بقوله تعالى : الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون فكأن المصنف أراد تقييد ما أطلق في الحديث بهذه الآية الدالة على ترك القلق والجزع ، ولفظ " المصيبة " في الآية ، وإن كان عاما لكنه يتناول المصيبة بالولد ، فهو من أفراده .

[ ص: 144 ] قوله : ( حدثنا عبد العزيز ) هو ابن صهيب ، وصرح به في رواية ابن ماجه ، والإسماعيلي من هذا الوجه ، والإسناد كله بصريون .

قوله : ( ما من الناس من مسلم ) قيده به ليخرج الكافر ، و " من " الأولى بيانية ، والثانية زائدة ، وسقطت " من " في رواية ابن علية ، عن عبد العزيز كما سيأتي في أواخر الجنائز . و " مسلم " اسم ما ، والاستثناء وما معه الخبر ، والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم ، لكن هل يحصل ذلك لمن مات له أولاد في الكفر ثم أسلم ؟ فيه نظر ، ويدل على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة الأشجعي ، قال : قلت : يا رسول الله ، مات لي ولدان ، قال : من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة . أخرجه أحمد ، والطبراني . وعن عمرو بن عبسة مرفوعا : من مات له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا أدخله الله الجنة . أخرجه أحمد أيضا ، وأخرج أيضا عن رجاء الأسلمية قالت : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ادع الله لي في ابن لي بالبركة ، فإنه قد توفي له ثلاثة . فقال : أمنذ أسلمت ؟ قالت : نعم . فذكر الحديث .

قوله : ( يتوفى له ) بضم أوله ، ووقع في رواية ابن ماجه المذكورة : " ما من مسلمين يتوفى لهما " . والظاهر أن المراد من ولده الرجل حقيقة ، ويدل عليه رواية النسائي المذكورة من طريق حفص ، عن أنس ، ففيها : " ثلاثة من صلبه " . وكذا حديث عقبة بن عامر : وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد ؟ محل بحث ، والذي يظهر أن أولاد الصلب يدخلون ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب ، وفي التقييد بكونهم من صلبه ما يدل على إخراج أولاد البنات .

قوله : ( ثلاثة ) كذا للأكثر ، وهو الموجود في غير البخاري ووقع في رواية الأصيلي وكريمة : " ثلاث " بحذف الهاء ، وهو جائز لكون المميز محذوفا .

قوله : ( لم يبلغوا الحنث ) كذا للجميع بكسر المهملة وسكون النون ، بعدها مثلثة ، وحكى ابن قرقول ، عن الداودي أنه ضبطه بفتح المعجمة والموحدة ، وفسره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي . قال : ولم يذكره كذلك غيره ، والمحفوظ : الأول ؛ والمعنى : لم يبلغوا الحلم ، فتكتب عليهم الآثام . قال الخليل : بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم ، والحنث : الذنب ، قال الله تعالى : وكانوا يصرون على الحنث العظيم ، وقيل : المراد : بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث . وقال الراغب : عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله ، وخص الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ ، لأن الصبي قد يثاب ، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم ، والحب له أشد ، والرحمة له أوفر ، وعلى هذا ، فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب ، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة ، وبهذا صرح كثير من العلماء ، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة بخلاف الصغير ، فإنه لا يتصور منه ذلك إذ ليس بمخاطب ، وقال الزين بن المنير : بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى ، لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه ، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي ، ووصل له منه النفع ، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق ؟ قال : ولعل هذا هو السر في إلغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة . انتهى . ويقوي الأول قوله في بقية الحديث : " بفضل رحمته إياهم " ، لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم [ ص: 145 ] منهم . وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلا ، واستمر على ذلك فمات ؟ فيه نظر ، لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق ، وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه ، ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحب ولا عدمه ، وكان القياس يقتضي ذلك ، لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده وتبرمه منه ، ولا سيما من كان ضيق الحال ، لكن لما كان الولد مظنة المحبة والشفقة نيط به الحكم ، وإن تخلف في بعض الأفراد .

قوله ( إلا أدخله الله الجنة ) في حديث عتبة بن عبد الله السلمي عند ابن ماجه بإسناد حسن نحو حديث الباب ، لكن فيه : " إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل " . وهذا زائد على مطلق دخول الجنة ، ويشهد له ما رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية بن قرة ، عن أبيه مرفوعا في أثناء حديث : ما يسرك أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك .

قوله ( بفضل رحمته إياهم ) ، أي بفضل رحمة الله للأولاد . وقال ابن التين : قيل : إن الضمير في رحمته للأب ، لكونه كان يرحمهم في الدنيا ، فيجازى بالرحمة في الآخرة والأول أولى ، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه : " بفضل رحمة الله إياهم " . وللنسائي من حديث أبي ذر : " إلا غفر الله لهما بفضل رحمته " . وللطبراني ، وابن حبان من حديث الحارث بن أقيش ، وهو بقاف ومعجمة مصغر ، مرفوعا : ما من مسلمين يموت لهما أربعة أولاد إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته . وكذا في حديث عمرو بن عبسة ، كما سنذكره قريبا . وقال الكرماني : الظاهر أن المراد بقوله : " إياهم " جنس المسلم الذي مات أولاده ، لا الأولاد ، أي بفضل رحمة الله لمن مات لهم ، قال : وساغ الجمع لكونه نكرة في سياق النفي فتعم . انتهى . وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر ، بل في غير هذا الطريق ما يدل على أن الضمير للأولاد ، ففي حديث عمرو بن عبسة عند الطبراني : " إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنة " . وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي المقدم ذكره : " أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم " . قاله بعد قوله : " من مات له ولدان " ، فوضح بذلك أن الضمير في قوله : " إياهم " للأولاد لا للآباء ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث