الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام

جزء التالي صفحة
السابق

3324 (20) باب

في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام

[ 1291 ] عن عباس بن عبد المطلب ، قال : شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين ، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، فلم نفارقه ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بغلة له بيضاء ، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يركض بغلته قبل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، أكفها إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: أي عباس ، ناد أصحاب السمرة. فقال عباس ، وكان رجلا صيتا ، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها ، قال : فقالوا: يا لبيك يا لبيك. فاقتتلوا والكفار ، والدعوة في الأنصار ، يقولون: يا معشر الأنصار ، يا معشر الأنصار ، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج ، يا بني الحارث بن الخزرج ، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا حين حمي الوطيس ، قال: ثم أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر ، فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته ، فما زلت أرى حدهم كليلا ، وأمرهم مدبرا .

وفي رواية : انهزموا ورب الكعبة ! انهزموا ورب الكعبة ! حتى هزمهم الله . قال : وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض خلفهم على بغلته.


رواه أحمد ( 1 \ 207 ) ومسلم (1775) (76 و 77).

التالي السابق


(20) ومن باب: غزوة حنين

كانت غزوة حنين بعد فتح مكة بأيام ، وذلك أن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة ، وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من [ ص: 614 ] تلك السنة . و ( حنين ) : موضع معروف ، سمي باسم رجل لازمه ، ويصرف ولا يصرف . وأنشد في الصحاح :


نصروا نبيهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال

والأغلب عليه الصرف .

و ( فروة بن نفاثة ) صوابه : بالنون المرفوعة ، والفاء ، والثاء المثلثة . كذا لجميع الرواة . وقد قيده بعضهم : (نباتة) بالنون والباء بواحدة ، والتاء باثنتين من فوقها ، وكأنه تصحيف ، وقد رواه مسلم من حديث معمر عن ابن شهاب . فقال : فروة بن نعامة ، والأول أشهر . واختلف في إسلامه . وفي البخاري : أن مهدي البغلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ملك أيلة ، واسمه فيما ذكره ابن إسحاق : يحنة بن رؤبة .

وقبوله -صلى الله عليه وسلم- هدية فروة يعارضه قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( إني نهيت عن زبد المشركين ) ، وامتنع من قبول هديتهم .

وقد اختلف في هذين الحديثين . فمن العلماء من ذهب إلى أن حديث فروة ناسخ للحديث الآخر . ومنهم من رام الجمع بينهما فقال : حيث قبل فإنما قبل استئلافا ، وطمعا في إسلام المهدي ، وحيث رد لم يطمع في [ ص: 615 ] ذلك . وقيل : إنما رد حيث لم تكن فيه مصلحة للمسلمين ، وقيل حيث كان فيه ذلك . وقيل : إنما رد ما أهدي له في خاصة نفسه ، وقبل ما علم منه خلاف ذلك ; قاله الطبري . قال : ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر ; إذ لم يأت في ذلك بيان . وقيل : إنما قبل هدية أهل الكتاب ; إذ قد أبيح لنا طعامهم ، ورد هدايا المشركين ; إذ لم يبح لنا ذلك منهم . وأشبه هذه الأقوال قول من قال بالاستئلاف والمصلحة . والكل محتمل . والله تعالى أعلم.

وركوبه -صلى الله عليه وسلم- البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات ، والصبر ، ويدل على العزم على عدم الفرار كما قد فعل حين انهزم الناس عنه ، وهو مقبل على العدو ، يركض بغلته نحوهم . وقد زاد على ذلك ، كما ذكر في الرواية الأخرى : إنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة. وهذا كله يدل : على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أشجع الناس وأثبتهم في الحرب ، ولذلك قالت الصحابة رضي الله عنهم : إن الشجاع منا للذي يلوذ بجانبه .

و ( السمرة ) : هي شجرة الرضوان التي بايعه تحتها أصحابه بيعة الرضوان بالحديبية . وكانوا بايعوه على ألا يفروا ، فلما سمعوا النداء ، تذكروا العهد ، فارتجعوا رجعة واحدة ، كرجل واحد ، وهم يلبون النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولسرعة رجعتهم [ ص: 616 ] واجتماعهم شبههم بعطفة البقر على أولادها . وهذا كله يدل على قربهم من النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ ذاك ، وأن انهزامهم لم يكن إلى بعد ، ولا من جميعهم ، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطلقاء ، ومن في قلبه مرض ، ولذلك كان بعضهم يقول في حال انهزامه : لا يردهم إلا البحر .

وقوله : ( فاقتتلوا والكفار ) بنصب الراء على أن تكون الواو بمعنى (مع) وهو أولى ; لما يلزم في الأحسن من توكيد الضمير المرفوع حين يعطف عليه .

وقوله -صلى الله عليه وسلم- (هذا حين حمي الوطيس) يجوز في حين البناء على الفتح ; لأنه مضاف إلى جملة مبنية ، ويجوز فيه الضم ، على أن يكون (الحين) خبر المبتدأ ، وهذا على نحو قول الشاعر :


على حين عاتبت المشيب على الصبا      ........................

روي بالخفض والفتح . و ( حمي ) : استعر واتقد. و ( الوطيس ) : موضع [ ص: 617 ] وقود النار ، واستعاره هنا لشدة الحرب . وهذا نحو قوله تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة: 64] وهذه الاستعارة العجيبة لا يعرف من تكلم بها قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- من العرب ، ومنه تلقيت فصيرت مثلا في الأمر إذا اشتد ، قاله ابن الأعرابي . وقال الأصمعي : الوطيس : الحجارة المحماة . وعلى هذا فهو جمع وطيسة . وقال أبو عمر المطرز : هو التنور . وحينئذ لا يكون جمعا .

ورميه -صلى الله عليه وسلم- في وجوه الكفار بالتراب ، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته ; إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم ، ولا يسع كفه ما يعمهم ، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ، ولذلك قال تعالى : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] وكذلك قوله : ( انهزموا ورب الكعبة ) قبل وقوع الهزيمة ، هو من معجزاته الخبرية ، فإنه خبر عن الغيب .

وقوله : ( شاهت الوجوه ) - على ما في حديث سلمة - : خبر معناه : الدعاء ; أي : اللهم شوه وجوههم . أو هو : خبر عما يحل بهم من التشويه عند القتل ، والأسر ، والانتقام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث