الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب نكاح المحلل وما أشبهه

حدثني يحيى عن مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزويجها وقال لا تحل لك حتى تذوق العسيلة

التالي السابق


7 - باب نكاح المحلل وما أشبهه

1126 1106 - ( مالك عن المسور ) بكسر الميم وإسكان المهملة وفتح الواو ( ابن رفاعة ) بكسر الراء ابن أبي مالك ( القرظي ) بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة نسبة إلى بني قريظة ، تابعي صغير مقبول ، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة ، له في الموطأ مرفوعا هذا الحديث الواحد ( عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير ) التابعي الكبير بفتح الزاي فيهما ورواه ابن بكير بضم الأول ، وروي عنه الفتح فيهما كسائر الرواة عن مالك وهو الصحيح فيهما جميعا قاله ابن عبد البر واقتصر الحافظ على ضم الأول فقوله الصحيح فتحهما أي عن مالك ، قال في الإصابة : هو بضم الزاي بخلاف جده فإنه بفتحها وكسر الموحدة ابن باطيا القرظي من بني قريظة ، ويقال هو ابن الزبير بن أمية بن زيد الأوسي كذا ذكر ابن منده وأبو نعيم ، فيحتمل أنه نسب إلى زيد لشيء صنع في الجاهلية ، وإلا فالزبير بن باطيا معروف من بني قريظة . انتهى . ولذا صوبه النووي وقال : هو الذي ذكره ابن عبد البر والمحققون وقد قتل ابن [ ص: 208 ] باطيا كافرا يوم بني قريظة .

( أن رفاعة بن سموال ) بكسر السين وإسكان الميم القرظي الصحابي ، قال ابن عبد البر : كذا أرسله أكثر الرواة ووصله ابن وهب وهو من أجل من روى الحديث عن مالك ، وتابعه ابن القاسم وعلي بن زياد وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد الحميد الحنفي كلهم عن مالك عن المسور عن الزبير بن عبد الرحمن عن أبيه أن رفاعة بن سموال ( طلق امرأته تميمة ) بفتح الفوقية وقيل بضمها وقيل اسمها أميمة وقيل : سهيمة ، وقيل : عائشة ( بنت وهب ) القرظية الصحابية لا أعلم لها غير هذه القصة ( في عهد ) أي زمن ( رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ) وفي الصحيحين عن عائشة : " أن امرأة رفاعة قالت : يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي " وفي رواية لهما : " أنها قالت طلقني آخر ثلاث تطليقات " والروايات تفسر بعضها بعضا فلا حجة فيه لجواز إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة بلا كراهة ( فنكحت عبد الرحمن بن الزبير ) بفتح الزاي ، الصحابي راوي هذا الحديث ( فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ) لاسترخائه وعدم قدرته .

وفي رواية للشيخين : وإن ما معه مثل الهدبة وأخذت بهدبة من جلبابها شبهته بذلك لصغر ذكره أو لاسترخائه وهو أظهر إذ يبعد أن يكون إلى حد لا يغيب معه قدر الحشفة ( ففارقها ) طلقها .

قال عياض : وهذا إخبار عما اتفق بعد شكايتها للمصطفى ومباكرة عبد الرحمن لها .

ففي البخاري أنها لما قالت : وإن ما معه مثل الهدبة ، قال : كذبت والله إني لأنفضها نفض الأديم ( فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها ) بالثلاث فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( فنهاه عن تزويجها ) وفي رواية للبخاري : أن المرأة هي التي ذكرت ولا خلف لجواز أن كلا من الرجل والمرأة ذكر ذلك له - صلى الله عليه وسلم - ، ولفظ البخاري عن عائشة : وكان معه مثل الهدبة فلم تصل منه إلى شيء تريده فلم يلبث أن طلقها فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن زوجي طلقني وإني تزوجت زوجا غيره فدخل بي ولم يكن معه إلا مثل الهدبة فلم يقربني إلا هنة واحدة لم يصل مني إلى شيء ، فأحل لزوجي الأول ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته .

وقولها " لم يصل مني إلى شيء " - صريح في أنه لم يطأها لا مرة ولا أزيد ، فيحمل قولها " إلا هنة واحدة " على أن معناه لم يرد القرب مني بقصد الوطء إلا مرة واحدة ، وبهذا لا يخالف رواية الموطأ : فلم يستطع أن يمسها ( وقال : لا تحل لك حتى تذوق العسيلة ) بضم العين وفتح السين تصغير عسلة وهي كناية عن الجماع ، شبه لذته بلذة [ ص: 209 ] العسل وحلاوته فاستعار لها ذوقا وأنث العسل في التصغير لأنه يذكر ، ويؤنث أي قطعة من العسل ، أو على إرادة اللذة لتضمنه ذلك ، ووحده لئلا يظن أنها لا تحل إلا بوطء متعدد ، وضعف زعم أن التأنيث على إرادة النطفة بأن الإنزال لا يشترط باتفاق العلماء ، وشذ الحسن فقال : العسيلة الإنزال رعيا لمعنى العسيلة ، قال أبو عمر : في قوله " لا حتى . . . إلخ " وجهان ، أحدهما : إن كان كما وصفت فلا سبيل إلى ذوق العسيلة فلا تحل للذي طلقها ثلاثا .

والثاني : إن كان يرجى ذلك منه فقال لها ذلك طمعا أن يكون ، وربما كان .

قال ابن العربي : مغيب الحشفة هو العسيلة ، وأما الإنزال فهو الدبيلة وذلك أن الرجل لا يزال في لذة الملاعبة فإذا أولج فقد عسل ثم يتعاطى بعد ذلك ما فيه علو نفسه وإتعاب نفسه ونزف دمه وإضعاف أعضائه فهو إلى الدبيلة أقرب منه إلى العسيلة ؛ لأنه بدأ بلذة وختم بألم .

قال الأبي : وهذا منه ذهاب إلى أن ما قبل الإنزال أمتع من ساعة الإنزال .

قال شيخنا أبو عبد الله ، يعني محمد بن عرفة : من له ذوق يعرف ذلك .

وقال الغزالي : ساعة الإنزال ألذ لذات الدنيا ، وإن دامت قتلت وهو ينحو إلى قول الحسن .

وهذا الحديث في الصحيحين من طرق عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة بنحوه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث