الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب القطع في السرقة باب ما جاء في كم يقطع السارق ؟ [ ص: 148 ] عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم } . رواه الجماعة . وفي لفظ بعضهم : قيمته ثلاثة دراهم ) .

3141 - ( وعن عائشة قالت { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا } . رواه الجماعة إلا ابن ماجه .

وفي رواية { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا } ، رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه .

وفي رواية قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار " رواه البخاري والنسائي وأبو داود ، وفي رواية : قال : " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا " . رواه البخاري .

وفي رواية قال : " اقطعوا في ربع دينار ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك " وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ، والدينار اثني عشر درهما . رواه أحمد .

وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن " ، قيل لعائشة : ما ثمن المجن ؟ قالت : ربع دينار . رواه النسائي ) .

3142 - ( وعن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال { : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده } ، قال الأعمش : كانوا يرون أنه بيض الحديد ، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم . متفق عليه ، وليس لمسلم فيه زيادة قول الأعمش ) .

التالي السابق


قوله : ( في مجن ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون وهو الترس ويقال له : مجنة بكسر الميم أيضا وجنان وجنانة بضمهما . قوله : ( فصاعدا ) هو منصوب على الحالية : [ ص: 149 ] أي فزائدا ويستعمل بالفاء وبثم لا بالواو . وفي رواية لمسلم : { لن تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فما فوقه } . قوله : ( في ربع دينار ) هذه الرواية موافقة لرواية الثلاثة الدراهم التي هي ثمن المجن كما في رواية النسائي المذكورة في الباب " أن ثمن المجن كان ربع دينار " وكما في رواية أحمد " أنه كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " . وقال الشافعي : وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم ، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر درهما بدينار ، وكان كذلك بعده ، وقد تقدم أن عمر فرض الدية على أهل الورق اثني عشر ألف درهم ، وعلى أهل الذهب ألف دينار . وأخرج ابن المنذر أنه أتي عثمان بسارق سرق أترجة فقومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع .

وأخرج البيهقي أيضا من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه قطع في ربع دينار وكانت قيمته درهمين ونصفا . وأخرج البيهقي أيضا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه القطع في ربع دينار فصاعدا . وأخرج أيضا من طريقه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قطع يد سارق في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار ، ورجاله ثقات ولكنه منقطع . وقد ذهب إلى ما تقتضيه أحاديث الباب من ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة . واختلفوا فيما يقوم به ما كان من غير الذهب والفضة . فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدينار إذا كان الصرف مختلفا ، وقال الشافعي : الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب ; لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها حتى قال : إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع انتهى .

قال مالك : وكل واحد من الذهب والفضة معتبر في نفسه لا يقوم بالآخر . وذكر بعض البغداديين أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالبا في نقود أهل البلد . وذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه وسائر فقهاء العراق إلى أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم ولا قطع في أقل من ذلك . واحتجوا بما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال { : كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم عشرة دراهم ، } وأخرج نحو ذلك النسائي عنه ، وأخرج عنه أبو داود أن ثمنه كان دينارا أو عشرة دراهم ، وأخرج البيهقي عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : { كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم } . وأخرج النسائي عن عطاء مرسلا : { أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن قال : وثمنه عشرة دراهم } . قالوا : [ ص: 150 ] وهذه الروايات في تقدير ثمن المجن أرجح من الروايات الأولى وإن كانت أكثر وأصح ولكن هذه أحوط ، والحدود تدفع بالشبهات ، فهذه الروايات كأنها شبهة في العمل بما دونها .

وروي نحو هذا عن ابن العربي قال : وإليه ذهب سفيان مع جلالته . ويجاب بأن الروايات المروية عن ابن عباس وابن عمرو بن العاص في إسنادها جميعا محمد بن إسحاق وقد عنعن ، ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا فلا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين عن ابن عمر وعائشة ، وقد تعسف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب ثم بين الاضطراب بما يفيد بطلان قوله ، وقد استوفى صاحب الفتح الرد عليه . وأيضا حديث ابن عمر حجة مستقلة ، ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم لمعارضة الروايات الصحيحة لم يكن ذلك مفيدا للمطلوب ، أعني عدم ثبوت القطع فيما دون ذلك لما في الباب من إثبات القطع في ربع الدينار وهو دون عشرة دراهم ، فيرجع إلى هذه الروايات ويتعين طرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن ، وبهذا يلوح لك عدم صحة الاستدلال برواية العشرة الدراهم عن بعض الصحابة على سقوط القطع فيما دونها وجعلها شبهة ، والحدود تدرأ بالشبهات لما سلف .

وقد أسلفنا عن جماعة من الصحابة أنهم قطعوا في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم . المذهب الثالث : نقله عياض عن النخعي أنه لا يجب القطع إلا في أربعة دنانير أو أربعين درهما ، وهذا قول لا دليل عليه فيما أعلم . المذهب الرابع : حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه يقطع في درهمين . وحكاه في البحر عن زياد بن أبي زياد ولا دليل على ذلك من المرفوع . وقد أخرج ابن أبي شيبة عن أنس بسند قوي أن أبا بكر قطع في شيء ما يساوي درهمين . وفي لفظ : لا يساوي ثلاثة دراهم . المذهب الخامس : أربعة دراهم ، نقله ابن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد ، وكذلك حكاه عنهما في البحر ، ونقله عياض عن بعض الصحابة وهو مردود بما سلف .

المذهب السادس : ثلث دينار ، رواه ابن المنذر عن الباقر . المذهب السابع : خمسة دراهم ، حكاه في البحر عن الناصر والنخعي وروي عن ابن شبرمة ، وهو مروي عن ابن أبي ليلى والحسن البصري بما أخرجه ابن المنذر عن عمر أنه قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس . المذهب الثامن : دينار أو ما بلغ قيمته ، رواه ابن المنذر عن النخعي ، وحكاه ابن حزم عن طائفة . المذهب التاسع : ربع دينار من الذهب ومن غيره في القليل والكثير ، وإليه ذهب ابن حزم ونقل نحوه ابن عبد البر .

واستدل ابن حزم بأن التحديد في الذهب منصوص ولم يوجد نص في غيره فيكون داخلا تحت عموم الآية . ويجاب عن ذلك برواية النسائي المذكورة في الباب بلفظ : { لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن } ويمكن أيضا الجواب عنه بقوله صلى الله عليه وسلم : { اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما دون ذلك } كما في الباب لأنه يصدق [ ص: 151 ] على ما لم تبلغ قيمته ربع دينار أنه دونه ، وإن كان من غير الذهب فإنه يفضل الجنس على جنس آخر مغاير له باعتبار الزيادة في الثمن ، وكذلك العرض على العرض باعتبار اختلاف ثمنهما . المذهب العاشر : أنه يثبت القطع في القليل والكثير ، حكاه في البحر عن الحسن البصري وداود والخوارج ، واستدلوا بإطلاق قوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } . ويجاب بأن إطلاق الآية مقيد بالأحاديث المذكورة في الباب .

واستدلوا ثانيا بحديث أبي هريرة المذكور في الباب فإن فيه : { يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده } وقد أجيب عن ذلك أن المراد تحقير شأن السارق وخسار ما ربحه ، وأنه إذا جعل السرق عادة له جرأه ذلك على سرقة ما فوق البيضة والحبل حتى يبلغ إلى المقدار الذي تقطع به الأيدي ، هكذا قال الخطابي وابن قتيبة وفيه تعسف . ويمكن أن يقال : المراد المبالغة في التنفير عن السرقة وجعل ما لا قطع فيه بمنزلة ما فيه القطع كما في حديث : { من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة } وحديث : { تصدقي ولو بظلف محرق } مع أن مفحص القطاة لا يكون مسجدا ، والظلف المحرق لا ثواب في التصدق به لعدم نفعه ، ولكن مقام الترغيب في بناء المساجد والصدقة اقتضى ذلك ، على أنه قد قيل : إن المراد بالبيضة بيضة الحديد كما وقع في الباب عن الأعمش ، ولا شك أن لها قيمة .

وكذلك الحبل فإن في الحبال ما تزيد قيمته على ثلاثة دراهم كحبال السفن ، ولكن مقام المبالغة لا يناسب ذلك . وقد تقدم أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه قطع في بيضة حديد ثمنها ربع دينار .

الحادي عشر : أنه يثبت القطع في درهم فصاعدا لا دونه ، حكاه في البحر عن البتي ، وروي عن ربيعة . هذه جملة المذاهب المذكورة في المسألة ، وقد جعلها في الفتح عشرين مذهبا ولكن البقية على ما ذكرنا لا يصلح جعلها مذاهب مستقلة لرجوعها إلى ما حكيناه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث