الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التيمم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 346 ] باب التيمم قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ; ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما .

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } .

[ ص: 347 ] والتيمم في اللغة : هو القصد ومنه قوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } وقوله : { ولا آمين البيت الحرام } ومنه قول امرئ القيس :

تيممت الماء الذي دون ضارج يميل عليها الظل عرمضها طامي

لكن لما قال الله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } كان التيمم المأمور به : هو تيمم الصعيد الطيب للتمسح به فصار لفظ التيمم إذا أطلق في عرف الفقهاء انصرف إلى هذا التيمم الخاص وقد يراد بلفظ التيمم نفس مسح اليدين والوجه فسمي المقصود بالتيمم تيمما .

وهذا التيمم المأمور به في الآية هو من خصائص المسلمين ومما فضلهم الله به على غيرهم من الأمم ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا . فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة } وهذا لفظ البخاري .

[ ص: 348 ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون } .

ولمسلم أيضا عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { فضلت على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهوا إذا لم نجد الماء } . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت : وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم } .

وقوله تعالى { فتيمموا صعيدا طيبا } نكرة في سياق الإثبات كقوله : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } وقوله : { فتحرير رقبة } وقوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } وقوله : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } وهذه تسمى مطلقة وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فيدل ذلك على أنه يتيمم أي صعيد طيب اتفق . والطيب هو الطاهر والتراب الذي ينبعث مراد من النص بالإجماع وفيما سواه نزاع سنذكره إن شاء الله تعالى .

[ ص: 349 ] وقوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } قد اتفق القراء السبعة على قراءة أيديكم بالإسكان ; بخلاف قوله في الوضوء : { وأرجلكم } فإن بعض السبعة قرءوا : { وأرجلكم } بالنصب قالوا : إنها معطوفة على المغسول تقديره : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين كذلك . قال علي بن أبي طالب وغيره من السلف قال أبو عبد الرحمن السلمي : قرأ علي الحسن والحسين : وأرجلكم إلى الكعبين بالخفض فسمع ذلك علي بن أبي طالب . وكان يقضي بين الناس فقال : وأرجلكم يعني بالنصب وقال هذا من المقدم المؤخر في الكلام . وكذلك ابن عباس قرأها بالنصب وقال عاد الأمر إلى الغسل ولا يجوز أن يكون ذلك عطفا على المحل كما يظنه بعض الناس كقول بعض الشعراء :

معاوي : إننا بشر فاسجح     فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فإنما يسوغ في حرف التأكيد مثل المباني . وأما حروف المعاني فلا يجوز ذلك فيها والباء هنا للإلصاق ليست للتوكيد ولهذا لم يقرأ القراء هنا وأيديكم كما قرءوا هناك وأرجلكم ; لأنه لو قال : فامسحوا وجوهكم وأيديكم أو امسحوا بها لكان يكتفى بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس وهو خلاف الإجماع فلما كانت الباء للإلصاق دل على أنه لا بد من إلصاق الممسوح به فدل ذلك على [ ص: 350 ] استعمال الطهور ولهذا كانت هذه الباء لا تدل على التبعيض عند أحد من السلف وأئمة العربية .

ولا قال الشافعي إن التبعيض يستفاد من الباء ; بل أنكر إمام الحرمين وغيره من أصحابه ذلك وحكموا كلام أئمة العربية في إنكار ذلك ولكن من قال بذلك استند إلى دلالة أخرى .

وقوله تعالى { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } دلت هذه الآية على أن التراب طهور كما صرحت بذلك السنة الصحيحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم { وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } وعن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير } رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . والترمذي وهذا لفظه . وقال : حديث حسن صحيح .

وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء في السفر تيمم وصلى إلى أن يجد الماء فإذا وجد الماء فعليه استعماله وكذلك تيمم الجنب : ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف [ ص: 351 ] إلى أنه يتيمم إذا عدم الماء في السفر إلى أن يجد الماء فإذا وجده كان عليه استعماله وقد روي عن عمر وابن مسعود إنكار تيمم الجنب وروي عنهما الرجوع عن ذلك وهو قول أكثر الصحابة : كعلي وعمار وابن عباس وأبي ذر وغيرهم . وقد دل عليه آيات من كتاب الله وخمسة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .

منها : حديث عمار بن ياسر وعمران بن حصين كلاهما في الصحيحين ومنها : حديث أبي ذر الذي صححه الترمذي ومنها : حديث عمرو بن العاص وحديث الذي شج فأفتوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم { قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال } ففي الصحيح عن عمر أنه قال : { كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم قال : أصابتني جنابة : ولا ماء قال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك } رواه البخاري ومسلم .

وفي الصحيحين عن عمار بن ياسر قال : { بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض [ ص: 352 ] ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه } وهذا لفظ مسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث