الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم

ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا

مناسبة عطف هذه الرخص على رخصة الأعمى ، على تقدير أنه منفصل عنه كما تقدم وهو المختار عند المحققين ، هو تعلق كليهما بالاستئذان والدخول للبيوت سواء كان لغرض الطعام فيها أو كان للزيارة ونحوها لاشتراك الكل في رفع الحرج ، وعلى تقدير أنه متصل به على قول الجمهور فاقتران الجميع في الحكم هو الرخصة للجميع في الأكل ، فأذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا للأكل ; لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب وكان التكسب زمانئذ بعمل الأبدان فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم .

[ ص: 301 ] هذا أظهر الوجوه في توجيه عد هؤلاء الثلاثة مع من عطف عليهم . وقد ذكر المفسرون وجوها أخر أنهاها أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن إلى ثمانية ليس منها واحد ينثلج له الصدر ، ولا نطيل بها .

وأعيد حرف ( لا ) مع المعطوف على المنفي قبله تأكيدا لمعنى النفي وهو استعمال كثير .

والمقصود بالأكل هنا الأكل بدون دعوة ، وذلك إذا كان الطعام محضرا دون المختزن .

والمراد بالأنفس ذوات المخاطبين بعلامات الخطاب فكأنه قيل : ولا عليكم جناح أن تأكلوا إلى آخره ، فالخطاب للأمة .

والمراد بأكل الإنسان من بيته الأكل غير المعتاد ، أي أن يأكل أكلا لا يشاركه فيه بقية أهله كأن يأكل الرجل وزوجته غائبة ، أو أن تأكل هي وزوجها غائب فهذه أثرة مرخص فيها .

وعطف على بيوت أنفسهم بيوت آبائهم ، ولم يذكر بيوت أولادهم مع أنهم أقرب إلى الآكلين من الآباء فهم أحق بأن يأكلوا من بيوتهم . قيل : لأن الأبناء كائنون مع الآباء في بيوتهم ، ولا يصح فقد كان الابن إذا تزوج بنى لنفسه بيتا كما في خبر عبد الله بن عمر . فالوجه أن بيوت الأبناء معلوم حكمها بالأولى من البقية لقول النبيء صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك .

وهؤلاء المعدودون في الآية بينهم من القربة أو الولاية أو الصداقة ما يعتاد بسببه التسامح بينهم في الحضور للأكل بدون دعوة لا يتحرج أحد منهم من ذلك غالبا .

و ( ما ) في قوله : ( ما ملكتم مفاتحه ) موصولة صادقة على المكان أو الطعام ، عطف على ( بيوت خالاتكم ) لا على ( أخوالكم ) ولهذا جيء بـ ( ما ) الغالب استعمالها في غير العاقل .

[ ص: 302 ] وملك المفاتيح أريد به حفظها بقرينة إضافته إلى المفاتيح دون الدور أو الحوائط . والمفاتح : جمع مفتح وهو اسم آلة الفتح . ويقال فيها : مفتاح ويجمع على مفاتيح .

وهذه رخصة للوكيل والمختزن للطعام وناطور الحائط ذي الثمر أن يأكل كل منهم ما تحت يده بدون إذن ولا يتجاوز شبع بطنه وذلك للعرف بأن ذلك كالإجازة فلذلك قال الفقهاء : إذا كان لواحد من هؤلاء أجرة على عمله لم يجز له الأكل مما تحت يده .

و ( صديق ) هنا المراد به الجنس الصادق بالجماعة بقرينة إضافته إلى ضمير جماعة المخاطبين ، وهو اسم تجوز فيه المطابقة لمن يجري عليه إن كان وصفا أو خبرا في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث وهو الأصل ، والغالب في فصيح الاستعمال أن يلزم حالة واحدة قال تعالى : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ومثله الخليط والقطين .

والصديق : فعيل بمعنى فاعل وهو الصادق في المودة . وقد جعل في مرتبة القرابة مما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء . وسئل بعض الحكماء : أي الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك ؟ فقال : إنما أحب أخي إذا كان صديقي .

وأعيدت جملة ( ليس عليكم جناح ) تأكيدا للأولى في قوله : ( ولا على أنفسكم ) ; إذ الجناح والحرج كالمترادفين . وحسن هذا التأكيد بعد ما بين الحال وصاحبها وهو واو الجماعة في قوله :أن تأكلوا من بيوتكم ، ولأجل كونها تأكيدا فصلت بلا عطف .

والجميع : المجتمعون على أمر .

والأشتات : الموزعون فيما الشأن اجتماعهم فيه ، قال تعالى : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .

والأشتات : جمع شت ، وهو مصدر شت إذا تفرق . وأما شتى فجمع شتيت .

[ ص: 303 ] والمعنى : لا جناح عليكم أن يأكل الواحد منكم مع جماعة جاءوا للأكل مثله ، أو أن يأكل وحده متفرقا عن مشارك ، لئلا يحسب أحدهم أنه إن وجد من سبقه للأكل أن يترك الأكل حتى يخرج الذي سبقه ، أو أن يأكل الواحد منكم مع أهل البيت . أو أن يأكل وحده .

وتقدم قراءة ( بيوت ) بكسر الباء للجمهور ، وبضمها لورش وحفص عن عاصم عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم في هذه السورة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث