الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            الرجاء والخوف عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم قال الله إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يفعل فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها فإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يفعلها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها وعنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل وعنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة ، وهو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها بمثلها وللبخاري " فإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة "

                                                            [ ص: 228 ]

                                                            التالي السابق


                                                            [ ص: 228 ] الرجاء والخوف الحديث الأول عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يفعلها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها فإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يفعلها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها وعنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل وعنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة ، وهو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها (فيه) فوائد :

                                                            (الأولى) أخرجه بألفاظه الثلاثة [ ص: 229 ] مجموعة مسلم من هذا الوجه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وفيه في الرواية الثالثة بعد قوله بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي وأخرجه البخاري بمعنى اللفظ الثاني عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق وأخرجه البخاري أيضا في التوحيد من صحيحه من طريق المغيرة بن عبد الرحمن وأخرجه مسلم أيضا والترمذي والنسائي من طريق سفيان بن عيينة كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وفي رواية البخاري ، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وفيها إلى سبعمائة ضعف ، وأخرجه مسلم أيضا من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وفيه إلى سبعمائة ضعف ومن طريق هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أيضا إلى سبعمائة ضعف .

                                                            (الثانية) قوله إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة المراد حدث بذلك نفسه ولا يتوقف ذلك على تحدثه به بلسانه ، وقد دل على ذلك قوله في الرواية الأخرى وإذا هم بحسنة ، ولم يعملها فاكتبوها له حسنة .

                                                            والظاهر أن المراد إذا منعه من ذلك عذر ولا تكتب له الحسنة بمجرد الهم مع الانكفاف عن الفعل بلا عذر ويحتمل حمله على إطلاقه وأن مجرد الهم بالخير قربة ، وإن لم يمنع منه مانع .

                                                            (الثالثة) هل تكتب له الملائكة الهم بالحسنة أو فعل الحسنة ؟ فيه نظر واحتمال وظاهر لفظ الحديث يقتضي كتابة نفس الحسنة .

                                                            (الرابعة) قال القاضي عياض قال أبو جعفر الطبري فيه دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها خلافا لمن قال إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة وحكى النووي ذلك عن أبي جعفر الطحاوي وذكر بعضهم أن الملك يعلم ذلك برائحة طيبة تفوح من الإنسان بخلاف ما إذا هم بالسيئة فإنه تفوح منه رائحة خبيثة والله أعلم .

                                                            (الخامسة) قوله فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها كذا وقع في الأصول بعشر والوجه بعشرة أمثالها [ ص: 230 ] فإن المثل مذكر ولكن ذلك لتأويله بالحسنات والله أعلم .



                                                            (السادسة) هل المراد أنه تكتب له عشر حسنات مضمومة إلى الحسنة المكتوبة على الهم ، أو يكمل له عشر حسنات ، أو ينتظر الملك بكتابة الهم فإن حققه كتب عشرا ، وإن لم يحققه كتب واحدا فيه احتمال ويحتاج إلى نقل صريح .

                                                            (السابعة) قوله إلى سبعمائة ضعف فيه أن التضعيف قد ينتهي إلى سبعمائة ضعف وهذا جود واسع وكرم محض ، وقد دل على ذلك قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عز وجل عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وهو صريح في أن التضعيف لا يقف على سبعمائة بل قد يزيد عليها لمن أراد الله تعالى زيادته له ، وهو أحد القولين في قوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء بهذا التضعيف والأول أصح وقال النووي المذهب الصحيح المختار عند العلماء أن التضعيف لا يقف على سبعمائة وحكى أبو الحسن الماوردي عن بعض العلماء أن التضعيف لا يجاوز سبعمائة قال النووي ، وهو غلط لهذا الحديث انتهى .

                                                            وقد ورد التضعيف بأكثر من سبعمائة في عدة أحاديث ، وقد ذكرت ذلك في كتاب الصيام من هذا الشرح بما أغنى عن إعادته (الثامنة) تقدم في قوله عليه الصلاة والسلام إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به استثناء الصيام من حصر التضعيف في قدر مخصوص وتقدم الكلام على ذلك في الصيام .



                                                            (التاسعة) في قوله فإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يفعلها دليل على أن حديث النفس والخواطر لا يؤاخذ بها ، وهو مجمع عليه فيما لا يستقر من الخواطر ولا يقترن به عزم مصمم فإن عزم على ذلك عزما مصمما فاختلفوا فيه قال المازري مذهب القاضي أبي بكر بن الخطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم باعتقاده وعزمه ويحمل ما وقع في هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هذا وهما ويفرق بين [ ص: 231 ] الهم والعزم هذا مذهب القاضي أبي بكر وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين وأخذوا بظاهر الأحاديث وقال القاضي عياض : عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب لكنهم قالوا إن هذا العزم يكتب سيئة وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير خوف الله تعالى والأمانة لكن نفس الإصرار والعزم معصية فيكتب معصية فإذا عملها كتبت معصية ثانية .

                                                            وأما الهم الذي لا يكتب فهو الخواطر التي لا يوطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية عزم انتهى .

                                                            قال النووي ، وهو ظاهر حسن لا مزيد عليه ، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر ومن ذلك قوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم وقوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم والآيات في هذا كثيرة ، وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها انتهى .



                                                            (العاشرة) في قوله في رواية البخاري فإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة زيادة على قوله في هذه الرواية فأنا أغفرها لأنه لا يلزم من مغفرتها كتابة حسنة بسبب تركها ، وهو مقيد في الحديث بأن يكون تركها من أجل الله تعالى وعليه يدل قوله في رواية مسلم إنما تركها من جرائي .

                                                            فإن التعليل بذلك دال على تصوير المسألة به ووجهه أن تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك وعصيانه هواه حسنة ، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، ولم يقيد ذلك بأن يكون تركها لأجل الله تعالى فقد يتمسك به على كتابتها حسنة ، وإن لم يتركها لخوف الله تعالى .

                                                            وقد حكى القاضي عياض عن بعض المتكلمين أنه ذكر في ذلك خلافا وعلل كتابتها حسنة بأنه إنما حمله على تركها الحياء قال القاضي عياض .

                                                            وهو ضعيف لا وجه له (قلت) والظاهر حمل هذا المطلق على ذلك المقيد فهو الذي يقتضيه الدليل وتساعده القاعدة والله أعلم .

                                                            وقال الخطابي هذا إذا لم يعملها تاركا لها مع القدرة عليها لا إذا هم بها فلم يعملها مع العجز عنها وعدم [ ص: 232 ] القدرة عليها ولا يسمى الإنسان تاركا للشيء الذي لا يتوهم قدرته عليه .

                                                            (الحادية عشرة) قوله فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها يقتضي أن السيئات لا تضاعف ، وهو كذلك لكن يستثنى منه ما في التنزيل في أمهات المؤمنين يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وذلك لشرفهن رضي الله عنهن وعلو مرتبتهن وأن الفاحشة منهن عظيمة الموقع لشدة تأذي النبي صلى الله عليه وسلم بها وكذلك جاء في سيئات الحرم .

                                                            (الثانية عشرة) قوله فأنا أكتبها له بمثلها يقتضي أن السيئات لا تضاعف ، أي إن جازيته على ذلك ، وقد يتجاوز الله عنه فلا يؤاخذه بها وفي لفظ لمسلم في حديث ابن عباس كتبها الله سيئة واحدة ، أو محاها الله .

                                                            وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي ذر ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها ، أو أغفر .

                                                            وفي صحيح البخاري معلقا من حديث أبي سعيد الخدري وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها ووصله النسائي في سننه وكذلك وصله الدارقطني في غرائب مالك من تسعة طرق قال ابن بطال وفيه رد على من أنفذ الوعيد على العصاة المؤمنين لدلالته على أن الله تعالى قد يتجاوز عنها إذا شاء ، وهو مذهب أهل السنة .

                                                            (الثالثة عشرة) قوله إذا أحسن أحدكم إسلامه .

                                                            أي أسلم إسلاما حقيقيا وليس كإسلام المنافقين ولا يراد بذلك قدر زائد على حقيقة الإسلام ذكره النووي وقال هذا معروف في استعمال الشرع يقولون حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص وساء إسلامه ، أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك والله أعلم .

                                                            وقال ابن بطال قوله فحسن إسلامه قد فسره عليه الصلاة والسلام حين سئل ما الإحسان ؟ فقال أن تعبد الله كأنك تراه أراد مبالغة الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة له انتهى .

                                                            والأول هو الظاهر ولا يتوقف كون الحسنة بعشر أمثالها وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث على أن يكون الفاعل لذلك مبالغا في الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة له بل مجرد الإسلام الذي هو شرط صحة العبارة كاف في ذلك ولا يحترز بذلك إلا عن النفاق والله أعلم .

                                                            (الرابعة عشرة) فيه بيان ما تفضل الله به على هذه الأمة من كتابة خواطرهم الحسنة دون [ ص: 233 ] خواطرهم السيئة ومجازاتهم على السيئة بمثلها إن شاء وعلى الحسنة بعشر أمثالها إلا أن يشاء الله الزيادة على ذلك إلى ما لا يحصى وفيه ترجيح جانب الرجاء ، وفي صحيح مسلم في آخر حديث ابن عباس ولا يهلك على الله هالك قال القاضي عياض معناه من حتم هلاكه وسدت عليه أبواب الهدى مع سعة رحمة الله تعالى وكرمه وجعله السيئة حسنة إذا لم يعملها وإذا عملها واحدة والحسنة إذا لم يعملها واحدة وإذا عملها عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فمن حرم هذه السعة وفاته هذا الفضل وكثرت سيئاته حتى غلبت مع أنها أفراد حسناته مع أنها متضاعفة فهو الهالك المحروم والله أعلم .




                                                            الخدمات العلمية