الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وقعة حمص

لما كان يوم الخميس رابع عشر رجب التقى الجمعان ، وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس ، وعسكر التتر في مائة ألف فارس ، وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلا ، والجميع فيما بين مشهد خالد بن الوليد إلى الرستن ، فاقتتلوا قتالا عظيما لم ير مثله من أعصار متطاولة ، فاستظهر التتر أول النهار ، وكسروا الميسرة ، واضطربت الميمنة أيضا ، وبالله المستعان . وانكسر جناح القلب الأيسر ، وثبت السلطان ثباتا عظيما جدا في جماعة قليلة ، وقد انهزم كثير من عسكر المسلمين ، والتتار في آثارهم حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة [ ص: 575 ] حمص ووصلوا إلى حمص وهي مغلقة الأبواب ، فقتلوا خلقا من العامة وغيرهم ، وأشرف المسلمون على خطة عظيمة من الهلاك ، ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان والفرسان تذامروا فيما بينهم; مثل سنقر الأشقر وبيسري وطيبرس الوزيري وبدر الدين أمير سلاح وأيتمش السعدي وحسام الدين لاجين وحسام الدين طرنطاي والدواداري وأمثالهم ، لما رأوا ثبات السلطان ردوا إلى السلطان ، وحملوا حملات متعددة صادقة ، ولم يزالوا يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسر الله بحوله وقوته التتر ، وجرح منكوتمر ، وجاءهم الأمير عيسى بن مهنا من ناحية العرض فصدم التتر ، فاضطربت الجيوش لصدمته ، وتمت الهزيمة ولله الحمد ، وقتلوا من التتار مقتلة عظيمة جدا ، ورجعت الطائفة من التتر الذين اتبعوا المنهزمين من المسلمين ، فوجدوا أصحابهم قد كسروا ، والعساكر في آثارهم يقتلون ويأسرون ، والسلطان ثابت في مكانه تحت السناجق ، والكوسات تضرب خلفه ، وما معه إلا نحو ألف فارس ، فطمعوا فيه فقاتلوه ، فثبت لهم ثباتا عظيما ، فانهزموا من بين يديه ، فلحقهم فقتل أكثرهم ، وكان ذلك تمام النصر ، وكان انهزام التتر قبل الغروب وافترقوا فرقتين; أخذت فرقة منهم إلى ناحية سلمية والبرية ، والأخرى إلى ناحية حلب والفرات ، فأرسل السلطان في آثارهم من يتبعهم ، وجاءت البطاقة بالبشارة بما وقع من النصر إلى دمشق يوم الجمعة خامس عشر رجب ، فدقت البشائر ، وزينت البلد ، وأوقدت الشموع ، وفرح الناس ، فلما أصبح الناس يوم السبت [ ص: 576 ] أقبلت طائفة من المنهزمين; منهم بيليك الناصري والجالق وغيرهم ، فأخبروا الناس بما شاهدوه من الهزيمة في أول الأمر ، ولم يكونوا شاهدوا بعد ذلك ، فبقي الناس في قلق عظيم ، وخوف شديد ، وتهيأ ناس كثير للهرب ، فبينما الناس في ذلك إذ أقبلت البريدية وأخبروا الناس بصورة ما وقع في أول الأمر وآخره ، فتراجع الناس وفرحوا فرحا شديدا ، ولله الحمد والمنة .

ثم دخل السلطان إلى دمشق يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب ، وبين يديه الأسارى بأيديهم الرماح عليها شعف رءوس القتلى ، وكان يوما مشهودا ، ومع السلطان طائفة من أصحاب سنقر الأشقر; منهم علم الدين الدواداري فنزل السلطان بالقلعة مؤيدا منصورا ، وقد كثرت له المحبة والأدعية ، وكان سنقر الأشقر قد ودع السلطان من حمص ، ورجع إلى صهيون ، وأما التتر فإنهم انهزموا في أسوأ حال وأتعسه ، يتخطفون من كل جانب ، ويقتلون من كل فج ، حتى وصلوا إلى الفرات ، فغرق أكثرهم ، ونزل إليهم أهل البيرة ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وأسروا آخرين ، والجيوش في آثارهم يطردونهم عن البلاد ، حتى أراح الله منهم الناس .

وقد استشهد في هذه الوقعة جماعة من سادات الأمراء; منهم الأمير الكبير الحاج عز الدين أزدمر الجمدار ، وهو الذي جرح ملك التتار يومئذ منكوتمر ، [ ص: 577 ] فإنه خاطر بنفسه ، وأوهم أنه مقفر إليه ، وقلب رمحه حتى وصل إليه ، فطعنه فجرحه ، فقتلوه ، رحمه الله تعالى ، ودفن بالقرب من مشهد خالد .

وخرج السلطان من دمشق قاصدا الديار المصرية يوم الأحد ثاني شعبان ، والناس يدعون له ، وخرج معه علم الدين الدواداري ، ثم عاد من غزة ، وقد ولاه الشد في الشام والنظر في المصالح ، ودخل السلطان إلى مصر في ثاني عشر شعبان .

وفي سلخ شعبان ولى قضاء مصر والقاهرة للقاضي وجيه الدين البهنسي الشافعي .

وفي يوم الأحد سابع رمضان فتحت المدرسة الجوهرية بدمشق في حياة منشئها وواقفها الشيخ نجم الدين محمد بن عباس بن أبي المكارم التميمي الجوهري ، ودرس بها قاضي الحنفية حسام الدين الرازي .

وفي بكرة يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان وقعت مئذنة مدرسة أبي عمر بقاسيون على المسجد العتيق ، فمات شخص واحد ، وسلم الله تعالى بقية الجماعة .

وفي عاشر رمضان وقع بدمشق ثلج عظيم وبرد كثير مع هواء شديد ، بحيث إنه ارتفع عن الأرض نحوا من ذراع ، وفسدت الخضراوات ، وتعطل على الناس معايش كثيرة .

[ ص: 578 ] وفي شوال وصل صاحب سنجار إلى دمشق مقفرا من التتار داخلا في طاعة السلطان بأهله وماله ، فتلقاه نائب البلد ، وأكرمه وسيره إلى مصر معززا مكرما .

وفي شوال عقد مجلس بسبب أهل الذمة من الكتاب الذين كانوا قد أسلموا كرها ، وقد كتب لهم جماعة من المفتين بأنهم كانوا مكرهين ، فلهم الرجوع إلى دينهم ، وأثبت الإكراه بين يدي القاضي جمال الدين بن أبي يعقوب المالكي ، فعاد أكثرهم إلى دينهم ، وضربت عليهم الجزية كما كانوا ، سود الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه . وقيل : إنهم غرموا مالا جزيلا ، جملة مستكثرة على ذلك ، قبحهم الله .

وفي ذي القعدة قبض السلطان على أيتمش السعدي وسجنه بقلعة الجبل ، وقبض نائبه بدمشق على سيف الدين بلبان الهاروني وسجنه بقلعتها .

وفي بكرة الخميس التاسع والعشرين من ذي القعدة ، وهو العاشر من آذار استسقى الناس بالمصلى بدمشق ، فسقوا بعد عشرة أيام . وفي هذه السنة أخرج الملك المنصور جميع آل الملك الظاهر من النساء والولدان والخدام من الديار المصرية إلى الكرك ليكونوا في كنف الملك المسعود خضر بن الظاهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث