الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      أخرج أحمد، وعبد بن حميد ، والبخاري ومسلم والترمذي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رجل من اليهود بسوق المدينة : والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، قال : أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قال الله : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 699 ] وأخرج أبو يعلى والدارقطني في "الأفراد"، وابن المنذر ، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سألت جبريل عن هذه الآية : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت، أزمتها الدر، برحائل السندس والإستبرق نمارها ألين من الحرير، مد خطاها مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة : انطلقوا بنا إلى ربنا ننظر كيف يقضي بين خلقه . يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد عن أبي هريرة : فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال : هم الشهداء ثنية الله .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 700 ] وأخرج سعيد بن منصور ، وهناد، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله : إلا من شاء الله قال : هم الشهداء ثنية الله متقلدي السيوف حول العرش .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد وأبو نصر السجزي في "الإبانة"، وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله؟ قال : جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش، فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت : من بقي؟ وهو أعلم، فيقول : سبحانك ربي تعاليت ذا الجلال والإكرام، بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فيقول : خذ نفس إسرافيل، فيأخذ نفس إسرافيل، فيقول : يا ملك الموت : من بقي؟ فيقول : سبحانك ربي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام، بقي جبريل وميكائيل وملك الموت . فيقول : خذ نفس ميكائيل . فيأخذ نفس ميكائيل، فيقع كالطود العظيم، فيقول : يا ملك الموت من بقي؟ فيقول : سبحانك ربي، ذا الجلال والإكرام بقي جبريل وملك الموت، فيقول : مت يا ملك الموت . فيموت فيقول : [ ص: 701 ] يا جبريل من بقي؟ فيقول : سبحانك ربي يا ذا الجلال والإكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به، فيقول : يا جبريل ما بد من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول : سبحانك ربي، تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام أنت الباقي وجبريل الميت الفاني ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها فيقع وإن فضل خلقته على خلقة ميكائيل كفضل الطود العظيم على الظرب من الظراب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فضل خلقته على خلق ميكائيل كالطود العظيم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن مردويه والبيهقي في "البعث" عن أنس رفعه في قوله : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله الآية . قال : فكان ممن استثنى الله جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول الله - وهو أعلم : يا ملك الموت من بقي؟ فيقول : بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبريل، وميكائيل وملك الموت، فيقول : توف نفس [ ص: 702 ] ميكائيل، ثم يقول -وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟ فيقول : بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبريل وملك الموت، فيقول : توف نفس جبريل، ثم يقول -وهو أعلم- : يا ملك الموت من بقي؟ فيقول : بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت وهو ميت، فيقول : مت، ثم ينادي : أنا بدأت الخلق وأنا أعيده، فأين الجبارون المتكبرون؟ فلا يجيبه أحد، ثم ينادي : لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول هو : لله الواحد القهار : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن المنذر ، عن جابر : فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال : استثني موسى عليه السلام لأنه كان صعق قبل .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر عن عكرمة : إلا من شاء الله قال : هم حملة العرش .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة في الآية قال : ما يبقى أحد إلا مات، وقد استثنى والله أعلم بثنياه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ومسلم عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 703 ] يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين يوما أو أربعين عاما أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيهلكه الله، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه، ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون [الصافات : 24 ] ثم يقال : أخرجوا بعث النار . فيقال : من كم؟ فيقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين . فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 704 ] وأخرج البخاري ومسلم ، وابن جرير ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بين النفختين أربعون، قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال : أبيت، قالوا : أربعون شهرا؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون عاما؟ قال : أبيت . ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي داود في "البعث"، وابن مردويه عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ينفخ في الصور، والصور كهيئة القرن فصعق من في السماوات ومن في الأرض، وبين النفختين أربعون عاما، فيمطر الله في تلك الأربعين مطرا فينبتون من الأرض كما ينبت البقل، ومن الإنسان عظم لا تأكله الأرض، عجب ذنبه ومنه يركب جسده يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي عاصم في "السنة" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب، منه ينبت ويرسل الله ماء الحياة، فينبتون منه نبات الخضر، حتى إذا خرجت الأجساد أرسل الله الأرواح فكان كل روح أسرع إلى صاحبه من الطرف، ثم ينفخ في الصور فإذا هم قيام [ ص: 705 ] ينظرون .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن المبارك عن الحسن قال : بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن المبارك في "الزهد"، وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي ، وابن المنذر ، وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في "البعث" عن ابن عمرو، أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور، فقال : قرن ينفخ فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج مسدد، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عن ابن مسعود قال : الصور كهيئة القرن ينفخ فيه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وأحمد ، وعبد بن حميد والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن حبان ، وابن خزيمة، وابن المنذر والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي في "البعث" عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ . قال المسلمون : فكيف نقول يا رسول الله؟ [ ص: 706 ] قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما طرف صاحب الصور مذ وكل به، مستعدا ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وابن مردويه والبيهقي في "البعث" عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وهو صاحب الصور . يعني إسرافيل .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن ماجه والبزار ، وابن مردويه عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من صباح [ ص: 707 ] إلا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد والحاكم عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : النافخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق، ورجلاه بالمغرب، ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد والطبراني في "الأوسط" بسند حسن، عن عبد الله بن الحارث قال : كنت عند عائشة وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل، فقالت عائشة : أخبرني عن إسرافيل، قال : له أربعة أجنحة، جناحان في الهواء، وجناح قد تسرول به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة، وملك الصور أسفل منه جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، فالتقم الصور محني ظهره، وطرفه إلى إسرافيل وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور . فقالت عائشة : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن أبي بكر الهذلي قال : إن ملك الصور [ ص: 708 ] الذي وكل به إحدى قدميه لفي الأرض السابعة وهو جاث على ركبتيه شاخص بصره إلى إسرافيل، ما طرف منذ خلقه الله، ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال : خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش : خذ الصور فتعلق به، ثم قال : كن فكان إسرافيل فأمره أن يأخذ الصور، فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، لا يخرج روحان من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض، وإسرافيل واضع فمه على تلك الكوة، ثم قال له الرب : قد وكلتك بالصور، فأنت للنفخة وللصيحة . فدخل إسرافيل في مقدم العرش، فأدخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى، ولم يطرف منذ خلقه الله، ينتظر ما يؤمر به .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي ، وابن خزيمة، وابن حبان ، والحاكم عن أوس بن أوس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه نفخة الصور وفيه الصعقة .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 709 ] وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كأني أنفض رأسي من التراب أول خارج، فألتفت فلا أرى أحدا إلا موسى متعلقا بالعرش، فلا أدري أممن استثنى الله ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير عن السدي : فصعق . قال : مات إلا من شاء الله قال : جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت، ثم نفخ فيه أخرى قال : في الصور .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما بعث إلى صاحب الصور فأخذه فأهوى بيده إلى فيه، فقدم رجلا وأخر رجلا؛ متى يؤمر فينفخ فاتقوا النفخة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض قال : نفخ فيه أول مرة فصاروا عظاما ورفاتا، ثم نفخ فيه الثانية، فإذا هم قيام ينظرون .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 710 ] وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : أتاني ملك فقال : يا محمد، اختر نبيا ملكا أو نبيا عبدا . فأومأ إلي جبريل أن تواضع، فقلت : نبيا عبدا فأعطيت خصلتين، أن جعلت أول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع فأرفع رأسي فأجد موسى آخذا بالعرش، فالله أعلم أصعق بعد الصعقة الأولى أم لا، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال : كنت جالسا عند عكرمة فذكروا الذين يغرقون في البحر؛ فقال عكرمة : الحمد لله إن الذين يغرقون في البحار هم الذين تقتسم لحومهم الحيتان، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، فتقلبها الأمواج حتى تلقيها على البر فتمكث العظام حينا حتى تصير حائلة نخرة فتمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعر، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون منزلا فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه ثم تخمد تلك النار، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة قال الله : [ ص: 711 ] فإذا هم قيام ينظرون فخرج أولئك وأهل القبور سواء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب إيليا الشرقي، أو قال : الغربي، والنفخة الثانية من باب آخر .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن بين النفختين أربعين . فلا ندري أربعين سنة أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير عن قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بين النفختين أربعون . قال أصحابه : فما سألناه عن ذلك وما زادنا على ذلك غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة . قال : وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له : مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز، وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ النفخة الثانية، فإذا هم قيام ينظرون .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله : ونفخ في الصور قال : الصور مع إسرافيل، وفيه أرواح كل شيء يكون، ثم ينفخ فيه نفخة الصعقة، فإذا نفخ فيه نفخة البعث قال الله عز وجل : بعزتي ليرجعن كل روح إلى جسده [ ص: 712 ] قال : ودارة منه أعظم من سبع سماوات ومن الأرض، فحلق الصور على في إسرافيل وهو شاخص ببصره إلى العرش، حتى يؤمر بالنفخ فينفخ في الصور .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله : ونفخ في الصور الآية . قال : الأولى من الدنيا والأخيرة من الآخرة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب "الطاعة والعصيان" وأبو يعلى وأبو الحسن القطان في "المطولات"، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وأبو موسى المديني كلاهما في "المطولات" وأبو الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "البعث والنشور" عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وعنده طائفة من أصحابه : إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ فيه . قلت : يا رسول الله، وما الصور؟ قال : "القرن" قلت : فكيف هو؟ قال : عظيم، والذي بعثني [ ص: 713 ] بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض فينفخ فيه النفخة الأولى، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون لرب العالمين، فيأمر الله إسرافيل في النفخة الأولى أن يمدها ويطولها فلا يفتر، وهو الذي يقول الله : وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق [ص : 15 ] فيسير الله الجبال فتكون سرابا وترتج الأرض بأهلها رجا، فتكون كالسفينة الموثقة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق بالعرش ترجرجه الأرواح وهي التي يقول الله يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة [النازعات : 6-8 ] فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويتولى الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو قوله : يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ) . وقوله : يوم التناد يوم ينادي بعضهم بعضا فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض، كل صدع من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من [ ص: 714 ] الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت وانتثرت نجومها وخسف شمسها وقمرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والأموات لا يعلمون شيئا من ذلك . فقلت : يا رسول الله فمن استثنى الله حين يقول : فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال : أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه وهو الذي يقول الله : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم إلى قوله : ولكن عذاب الله شديد [الحج : 1، 2 ]، فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فإذا هم خمود ثم يجيء ملك الموت إلى الجبار فيقول : يا رب قد مات أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شئت، فيقول -وهو أعلم- فمن بقي؟ فيقول : يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا، فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل . وينطق الله العرش فيقول : يا رب تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟ فيقول الله له : اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي، فيموتون ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول : يا رب، قد مات جبريل وميكائيل وإسرافيل . فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - فمن بقي؟ فيقول : يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا، فيقول الله له : ليمت حملة عرشي، فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور ثم يأتي ملك الموت الرب فيقول : يا رب قد مات حملة عرشك . [ ص: 715 ] فيقول الله -وهو أعلم- فمن بقي؟ فيقول : يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول الله له : أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرا كما كان أولا طوى السماوات والأرض كطي السجل للكتاب، ثم دحاهما ثم تلقفهما، ثم قال : أنا الجبار . ثلاث مرات، ثم هتف بصوته لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه : لله الواحد القهار يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم : 48 ] فبسطها وسطحها، ثم مدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه المبدلة، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش فيأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون الماء فوقكم اثني عشر ذراعا . ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت نبات الطراثيت وكنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسامهم، وكانت كما كانت، قال الله : ليحي حملة العرش فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول الله : ليحي جبريل وميكائيل . فيحييان، ثم يدعو الله بالأرواح، فيؤتى بها توهج أرواح المؤمنين نورا [ ص: 716 ] والأخرى ظلمة فيقبضها الله جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده . فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول من تنشق عنه الأرض فتخرجون منها سراعا إلى ربكم تنسلون مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون : هذا يوم عسر . حفاة عراة غلفا غرلا .

                                                                                                                                                                                                                                      فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حسا من السماء شديدا فينزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف إلى السماوات السبع، ثم ينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة، يحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والأرضون والسماوات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، لهم زجل بالتسبيح فيقولون : سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت [ ص: 717 ] سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله عرشه حيث يشاء من الأرض ثم يهتف بصوته فيقول : يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا لي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم [يس : 60، 61 ]، وامتازوا اليوم أيها المجرمون [يس : 59 ] فيميز بين الناس وتجثو الأمم قال : وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها [الجاثية : 28 ] ويوقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا يقضى بينهم، فيبكون حتى تنقطع الدموع ويدمعون دما ويعرقون عرقا حتى يبلغ ذلك منهم أن يلجمهم العرق وأن يبلغ الأذقان منهم، فيصيحون ويقولون : من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون : ومن أحق بذلك من أبيكم آدم؟ فيطلبون ذلك إليه، فيأبى ويقول : ما أنا بصاحب ذلك، ثم يستقرون الأنبياء نبيا نبيا، كلما جاءوا نبيا أبى عليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حتى يأتوني [ ص: 718 ] فأنطلق حتى آتي الفحص فأخر ساجدا . قال : أبو هريرة : يا رسول الله، وما الفحص؟ قال : قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي : يا محمد، فأقول : نعم يا رب، فيقول : ما شأنك؟ -وهو أعلم بي- فأقول : يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال : قد شفعتك وأقضي بينهم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأرجع فأقف مع الناس فيقضي الله بين الخلائق فيكون أول ما يقضي فيه في الدماء، ويأتي كل من قتل في سبيل الله يحمل رأسه وتشخب أوداجه دما فيقولون : يا ربنا قتلنا فلان وفلان، فيقول الله -وهو أعلم- لم قتلتم؟ فيقولون : يا ربنا قتلنا لتكون العزة لك، فيقول الله لهم : صدقتم، فيجعل الله لوجوههم نورا مثل نور الشمس، ثم تشيعهم الملائكة إلى الجنة ويأتي من كان قتل على غير ذلك، يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون : يا ربنا قتلنا فلان وفلان، فيقول : لم -وهو أعلم- فيقول : لتكون العزة لي . فيقول الله : تعست ثم ما يبقى نفس [ ص: 719 ] قتلها إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف يومئذ شائب اللبن للبيع، الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه فيكلف يومئذ أن يخلص الماء من اللبن .

                                                                                                                                                                                                                                      فإذا فرغ الله من ذلك نادى نداء أسمع الخلائق كلهم : ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئا إلا مثلت له آلهته بين يديه ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى فيتبع هذا اليهود وهذا النصارى ثم تقود بهم آلهتهم إلى النار، فهي التي قال الله : لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون [الأنبياء : 99 ] فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون، فيقول : يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون : والله ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره . فيقال لهم : الثانية، والثالثة فيقولون : مثل ذلك، فيقول : أنا ربكم، فهل بينكم وبين ربكم آية تعرفونه بها؟ فيقولون : نعم، فيكشف عن ساق ويريهم ما شاء الله أن يريهم، فيعرفون أنه ربهم فيخرون له سجدا لوجوههم ويخر كل منافق [ ص: 720 ] على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم كدقة الشعر أو كحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين، وكلمح البرق، وكمر الريح، وكجياد الخيل، وكجياد الركاب وكجياد الرجال؛ فناج سالم وناج مخدوش ومكدوش على وجهه في جهنم .

                                                                                                                                                                                                                                      فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة فدخلوها، فوالذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله في الجنة واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما في الدنيا، فيدخل على الأولى منهن في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس، وإستبرق ثم إنه يضع يده بين كتفيها فينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر [ ص: 721 ] إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في الياقوتة كبدها له مرآة، وكبده لها مرآة، فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء لا يفتران ولا يألمان، فبينما هو كذلك إذ نودي فيقال له : إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل وإن لك أزواجا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت له : والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا شيئا في الجنة أحب إلي منك .

                                                                                                                                                                                                                                      قال وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق الله أوبقتهم أعمالهم فمنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه، ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه حرم الله صورهم على النار، فينادون في النار فيقولون : من يشفع لنا إلى ربنا حتى يخرجنا من النار؟ فيقولون : ومن أحق بذلك من أبيكم آدم؟ فينطلق المؤمنون إلى آدم فيقولون : خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وكلمك قبلا، فيذكر آدم ذنبه فيقول : ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح ويطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بموسى؛ فإن الله قربه نجيا وكلمه، وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول : [ ص: 722 ] ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه فيقول : ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن فأنطلق حتى آتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح لي، فأدخل فأخر ساجدا فيأذن الله لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول : ارفع رأسك يا محمد، اشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي قال لي، وهو أعلم : ما شأنك؟ فأقول : يا رب، وعدتني الشفاعة فشفعني، فأقول : يا رب من وقع في النار من أمتي؟ فيقول الله : أخرجوا من عرفتم صورته، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله : أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار من خير، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع الله فيقول : أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة ثلثي دينار . ثم يقول : نصف دينار . ثم يقول ثلث دينار . ثم يقول ربع دينار . ثم يقول قيراط . ثم يقول : مثقال حبة . فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس ليتطاول لما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول الله : بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين . فيقبض قبضة فيخرج منها ما لا يحصيه غيره فيبثهم على نهر يقال له : نهر [ ص: 723 ] الحيوان فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل فما يلي الشمس منها أخيضر وما يلي الظل منها أصيفر فينبتون كالذر مكتوب في رقابهم : الجهنميون عتقاء الرحمن . لم يعملوا لله خيرا قط يقول : مع التوحيد- فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون : يا ربنا امح عنا هذا الكتاب . فيمحوه الله عنهم .


                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية