الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها

تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون

تذييل بالتحذير من مخالفة ما شرع إليه من أحكام الصيام .

فالإشارة إلى ما تقدم ، والإخبار عنها بالحدود عين أن المشار إليه هو التحديدات المشتمل عليها الكلام السابق ، وهو في قوله : حتى يتبين لكم الخيط وقوله : إلى الليل وأنتم عاكفون من كل ما فيه تحديد يفضي تجاوزه إلى معصية ، فلا يخطر بالبال دخول أحكام الإباحة في الإشارة مثل : ( أحل لكم ) ومثل : فالآن باشروهن .

والحدود والحواجز ونهايات الأشياء التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر ، وشبهت الأحكام بالحدود لأن تجاوزها يخرج من حل إلى منع ، وفي الحديث وحد حدودا فلا تعتدوها وستأتي زيادة بيان له في قوله تعالى : تلك حدود الله فلا تعتدوها .

وقوله : فلا تقربوها نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية ؛ لأن القرب من الحد يستلزم قصد الخروج غالبا كما قال تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ولهذا قال تعالى في آيات أخرى : تلك حدود الله فلا تعتدوها كما سيأتي هنالك ، وفي معنى الآية حديث من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

والقول في : كذلك يبين الله آياته للناس تقدم نظيره في قوله : وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي : كما بين أحكام الصيام يبين آياته للناس ، أي : جميع آياته لجميع الناس ، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس ، وقوله : ( لعلهم يتقون ) أي : إرادة لاتقائهم الوقوع في المخالفة ، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال ، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها ، فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية ، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها ، وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير [ ص: 187 ] إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى ؛ أي : كمال مصادفة مراد الله تعالى ، فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدر له مفعول ، مثل : هل يستوي الذين يعلمون وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث