الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( العلامة الرابعة )

خروج يأجوج ومأجوج وإليها أشار بقوله :


( ( وأمر يأجوج ومأجوج أثبت فإنه حق كهدم الكعبة



( ( وأمر يأجوج ومأجوج ) ) يهمزان ولا يهمزان لغتان وقرئ بهما فمن همزهما جعلها من أجيج النار وهو ضوؤها وحرارتها وسموا بذلك لكثرتهم .

[ ص: 114 ] وشدتهم وقيل من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة وقيل هما اسمان أعجميان غير مشتقين .

قال مقاتل : هم من ولد يافث بن نوح عليه السلام .

وقال كعب احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك .

وفيه نظر لأن الأنبياء لا يحتلمون على أن إمناء النائم لا يتوقف على الحلم الذي يقتضي أن يتراءى له في منامه ما يكون سببا لإنزاله كما لا يخفى .

وقد روى الطبراني من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذلك مأجوج ولا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده " .

قال أهل التاريخ أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب والعجم والروم ، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ، ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج .

وقال الكسائي في العرائس إن يافث سار إلى المشرق فولد له هناك جوهر ونبرش وأشار وإسقويل ومياشح وهي أسماء أعجمية ، فمن جوهر جميع الصقالبة والروم وأجناسهم ، ومن مياشح جميع أصناف العجم ، ومن أشار يأجوج ومأجوج وأجناسهم .

قال ابن عباس رضي الله عنهما هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء لأنهم لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه يحملون السلاح ، فمنهم من طوله مائة وعشرون ذراعا أو خمسون ، ومنهم من طوله وعرضه كذلك ، ومنهم من يلتحف بإحدى أذنيه ويفترش الأخرى .

وقال علي رضي الله عنه منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول لهم مخالب في موضع الأظفار من أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السباع ولهم شعر في أجسادهم .

والمراد بأمرهم خروجهم وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فلهذا قال ( ( أثبت ) ) أي اعتقد ثبوته .

أما الكتاب فقوله تعالى : ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ) وأما السنة ففي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله تعالى يوحي إلى عيسى ابن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها [ ص: 115 ] ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه ماء ، ويحصرون عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار " الحديث .

وقال صلى الله عليه وسلم " لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم وثلاث خسوفات ونار تخرج من قعر عدن أبين " الحديث رواه ابن ماجه من حديث حذيفة بن أسيد قلت وهو في مسلم من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري ولفظه " قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون ؟ قالوا نذكر الساعة ، قال " إنها لن تقوم حتى ترى قبلها عشر آيات " فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم . ورواه من وجه آخر وكنى حذيفة بأبي سريحة وقال فيه : ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس .

وفي حديث حذيفة عند الطبراني ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس .

وفي خبر علي رضي الله عنه لهم مخاليب وأنياب السباع وتداعي الحمام وتسافد البهائم وعواء الذئب وشعور تقيهم الحر والبرد وآذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها والآخرة جلدة يصيفون فيها .

سئل الإمام النووي هل يأجوج ومأجوج من ولد حواء وكم تثبت أنه يعيش كل واحد منهم ؟ فأجاب هم من ولد آدم وحواء عليهما السلام عند أكثر العلماء وقيل إنهم من آدم دون حواء . قال النووي كما حكاه عنه الحافظ ابن حجر عند جماهير العلماء قال النووي فيكونون إخوتنا من الأب .

قال الحافظ ابن حجر لم يرد هذا عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح ونوح من ذرية حواء قطعا وإلا فأين كانوا حين الطوفان ولم يثبت في قدر أعمارهم شيء . انتهى .

وقد ذكر الإمام ابن عبد البر الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام وأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن يأجوج ومأجوج هل بلغتهم دعوتك فقال " جزت ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا " .

فللنص القرآني والأحاديث [ ص: 116 ] الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكرنا ومما لم نذكر قال ( ( فإنه ) ) أي يأجوج ومأجوج يعني خروجهم من وراء السد على الناس ( ( حق ) ) ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر ولم يحله عقل فوجب اعتقاده فقد روى الجماعة إلا أبا داود من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنهما قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا محمرا وجهه يقول " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها قالت قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال " نعم إذا كثر الخبث " . إشارة بذلك إلى أن الذي فتحوا من السد قليلا وهم مع ذلك لم يلهمهم الله تعالى أن يقولوا عند نقبه وحفره غدا نفتحه إن شاء الله فإذا قالوها خرجوا .

وقد روى عبد الرزاق عن أبي قتادة قال : يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وكانت قبيلة منهم غائبة في الغزو وهم الترك فبقوا دون السد .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق السدي من أثر قوي : الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا عنه .

وسئل علي رضوان الله عليه عن الترك فقال هم سيارة ليس لهم أصل ، هم من يأجوج ومأجوج خرجوا يغيرون على الناس فجاء ذو القرنين فسد بينهم وبين قومهم فذهبوا سيارة في الأرض . رواه ابن المنذر .

وأخرج الإمام أحمد والطبراني عن خالد بن عبد الله بن حرملة عن خالته مرفوعا " إنكم لتقولون لا عدو وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى تقاتلون يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعور من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة " . قوله صهب الشعور أي شعرهم بين الحمار والسواد .

وقال الزهري يأجوج ومأجوج ثلاث أمم : منسك وتاويل وتاريس .

وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي وعبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم وراءهم ثلاث أمم : تاويل وتاريس ومنسك . وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام نحوه .

وفي حديث حذيفة لا يمرون بفيل ولا وحش ولا طير ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه ومن [ ص: 117 ] مات منهم أكلوه .

وذكر بعضهم في صفتهم أن فيهم من له قرن وذنب وأنياب بارزة يأكلون اللحوم نيئة .

وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه أن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم من صلبه ألفا من الذرية .

وعند النسائي من رواية عمر بن أوس عن أبيه رضي الله عنه رفعه أن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه أن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعونهن ما شاءوا .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو أنه قال الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس .

وقال مكحول الأرض مسيرة مائة عام ثمانون منها يأجوج ومأجوج وهي أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه الأمة الأخرى .

وعند أبي الشيخ عن أبي أمامة : الدنيا سبعة أقاليم فيأجوج ومأجوج ستة والباقي إقليم واحد .

وقال خالد الأثبج إن بني آدم وبني إبليس ثلاثة أثلاث : فثلثان بنو إبليس وثلث بنو آدم ، وبنو آدم ثلاثة أثلاث : ثلثان يأجوج ومأجوج وثلث سائر الناس ، والناس بعد ذلك ثلاثة أثلاث : ثلث الأندلس وثلث الحبشة وثلث سائر الناس العرب والعجم .

وعند الحاكم وعبد الرزاق من قول ابن عمر رضي الله عنهما أن الله تعالى جزأ الملائكة والجن والإنس عشرة أجزاء تسعة منهم الكروبيون والذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وجزأ الإنس والجن عشرة أجزاء فتسعة من الجن لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة ، وجزأ الإنس عشرة فتسعة منه يأجوج ومأجوج - الحديث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث