الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل وإذا صح الإيلاء ضربت له مدة أربعة أشهر فإن كان بالرجل عذر يمنع الوطء احتسب عليه بمدته ، وإن كان ذلك بها لم تحتسب عليه . وإن طرأ بها استؤنفت المدة عند زواله إلا الحيض ، فإنه يحتسب عليه بمدته ، وفي النفاس وجهان ، وإن طلقها في أثناء المدة انقطعت ، فإن راجعها ، أو نكحها إذا كانت بائنا استؤنفت المدة .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل

                                                                                                                          ( وإذا صح الإيلاء ضربت له مدة أربعة أشهر ) فالمؤلي يتربص أربعة أشهر كما أمره الله تعالى ، ولا يطالب بالوطء فيهن ، فإذا مضت ورافعته امرأته إلى الحاكم أمره بالفيئة ، فإن أبى أمر بالطلاق ، ولا تطلق بمضي المدة . قال أحمد : يوقف عن أكابر الصحابة ، وقال في رواية أبي طالب : قال ذلك عمر ، [ ص: 21 ] وعثمان ، وعلي ، وابن عمر ، وجعل يثبت حديث علي ، ورواه البخاري عن ابن عمر ، قال : ويذكر عن أبي الدراداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال سليمان بن يسار : أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقف المؤلي . رواه الشافعي ، والدارقطني بإسناد جيد . وقال ابن مسعود وابن عباس : إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة ، وقال مكحول ، والزهري : تطليقة رجعية ; لأن هذه المدة ضربت لاستدعاء الفعل منه أشبه مدة العنة ، وجوابه ظاهر الآية ، والفاء للتعقيب . ثم قال وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ البقرة : 227 ] . ولو وقع بمضي المدة لم يحتج إلى عزم عليه . وقوله سميع عليم يقتضي أن الطلاق مسموع ، ولا يكون المسموع إلا كلاما ، ولأنها مدة ضربت تأجيلا ، فلم تستحق المطالبة فيها كسائر الآجال . ومدة العنة حجة لنا ، فإن الطلاق لا يقع إلا بمضيها ، ولأن مدة العنة ضربت ليختبر فيها ، ويعرف عجزه عن الوطء بتركه في مدتها . وهذه ضربت تأخيرا له وتأجيلا ، ولا يستحق المطالبة إلا بمضي الأجل كالدين ، وفي " الوجيز " تضرب للكافر المدة بعد إسلامه ، والمذهب أن ابتداءها من حين اليمين ، ولا يفتقر إلى ضرب ; لأنها تثبت بالنص ، والإجماع كمدة العنة ، ( فإن كان بالرجل عذر يمنع الوطء ) كمرض وصوم . ( احتسب عليه بمدته ) لأن المانع من جهته ، وقد وجد التمكين الذي عليها وكذلك لو أمكنته من نفسها وامتنع وجبت لها النفقة ، وإن طرأ شيء من هذه الأعذار بعد الإيلاء ، أو جن لم تنقطع المدة . ( وإن كان ذلك بها ) كصغرها ومرضها وصيامها واعتكافها المفروضين وإحرامها . ( لم تحتسب عليه ) [ ص: 22 ] أي إذا وجد ذلك حال الإيلاء لم تضرب له المدة حتى تزول ; لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها ، والمنع هنا من قبلها . ( وإن طرأ بها ) هو بالهمز ، وقد يترك . ( استؤنفت المدة عند زواله ) ولم تبن على ما مضى لقوله تعالى : تربص أربعة أشهر [ البقرة : 226 ] يقتضي أنها موالية ، فإذا قطعها وجب استئنافها كمدة الشهرين في صوم الكفارة ، وقيل : تبنى كحيض ( إلا الحيض ، فإنه يحتسب عليه بمدته ) ولا يمنع ضرب المدة إذا كان موجودا وقت الإيلاء ; لأنه لو منع لم يمكن ضرب المدة ; لأن الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكم الإيلاء . ( وفي النفاس وجهان ) وقيل : روايتان أحدهما هو كالحيض ; لأنه مثله في أحكامه . والثاني : وهو الأشهر أنه كالمرض ; لأنه عذر نادر . وقيل : مجنونة لها شهوة كعاقلة ، وفي " الرعاية " : فإن تعذر الوطء بسبب من جهتها كحيض وحبس ومرض وصغر لم يحتسب عليه في المدة . وقيل : بلى ، وإن طرأ بعض ذلك فيها ، ثم زال استؤنفت ، وقيل : لا كحيض ، قال في " المحرر " : فيخرج أن يسقط أوقات المنع منها ، ويبني على ما مضى ( وإن طلقها في أثناء المدة انقطعت ) لأنها صارت ممنوعة بغير اليمين ، فانقطعت المدة كما لو كان الطلاق بائنا سواء بانت بفسخ ، أو خلع ، أو بانقضاء عدتها من الطلاق الرجعي ; لأنها صارت أجنبية ، ولم يبق شيء من أحكام نكاحها ( فإن راجعها ، أو نكحها إذا كانت بائنا استؤنفت المدة ) لأن الإيلاء يعود حكمه بذلك ، والتربص واجب فوجب استئنافها ضرورة الوفاء بالواجب ، وظاهره أن الطلاق الرجعي كالبائن في انقطاع مدة التربص ، وفي استئنافها بالرجوع إلى زوجته . [ ص: 23 ] وصرح به في " المغني " وأنه لا يحتسب المدة على الزوجة من الرجعة في قول الخرقي ، والقاضي ; لأنها صارت ممنوعة من غير يمين ، فانقطعت كما لو كان الطلاق بائنا . وقال ابن حامد : إذا طلق استؤنفت مدة أخرى من حين طلاقه وتحتسب مدة الإيلاء في زمن عدة الرجعة ، فإذا تمت أربعة أشهر قبل انقضاء عدة الطلاق وقف ، فإن فاء وإلا أمر بالطلاق ، وإن انقضت العدة قبل مدة الإيلاء تربص به تمام أربعة أشهر من حين طلق ، والمذهب أنه إذا طلق رجعيا في المدة لم تنقطع قبل فراغ عدتها ، وقيل : تنقطع وتستأنف كما لو ارتدا ، أو أحدهما بعد الدخول ، أو أسلما في العدة .




                                                                                                                          الخدمات العلمية