الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل وجاز لمن كمل عتقها وهي تحت عبد فراقه

ولما أنهى الكلام على السببين الأولين للخيار وهما العيب والغرور شرع في الثالث وهو العتق فقال .

[ درس ] ( فصل ) وجاز لمن كمل عتقها فراق العبد ( و ) جاز ( لمن كمل عتقها ) وهي تحت عبد ( فراق ) زوجها ( العبد ) ، ولو بشائبة رق فيحال بينهما حتى تختار وقوله : ( فقط ) راجع لهما أي لمن كمل عتقها لا إن لم يكمل فراق العبد لا الحر ( بطلقة ) لا أكثر سواء بينتها أو أبهمتها بأن قالت : طلقت نفسي أو اخترت نفسي ( بائنة ) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي وهي بائنة لا بالجر لئلا يوهم أنه من تتمة تصوير نطقها ، إذ لو قلنا : إنها رجعية لم يكن لاختيارها الواحدة فائدة فإن أوقعت اثنتين فله رد الثانية وهذا قول الأكثر وهو الراجح وقوله : ( أو اثنتين ) إشارة لقول الأقل فأو لتنويع الخلاف ( وسقط صداقها ) أي نصفه باختيارها نفسها .

( قبل البناء و ) سقط ( الفراق ) بأن لا يكون لها خيار بل تثبت زوجة تحت العبد ( إن قبضه السيد ) أي قبض صداقها من زوجها العبد قبل عتقها وأعتقها قبل البناء [ ص: 292 ] ( و ) قد ( كان عديما ) يوم العتق واستمر عدمه لوقت القيام عليه ، إذ لو مكنت من الخيار فاختارت نفسها وقع الفراق ووجب الرجوع على السيد ولا مال له سواها وعليه دين سابق على العتق وهو الصداق وهو مانع من العتق فيجب بيعها فيه فصار خيارها يؤدي إلى نفي عتقها الموجب لخيارها وما أدى ثبوته إلى نفيه انتفى ( و ) إن عتقت ( بعده ) أي البناء فهو ( لها ) من جملة مالها إلا أن يأخذه السيد أو يشترطه فيكون له كما يأتي ( كما لو رضيت ) قبل البناء ( وهي مفوضة ) أي حال كونه تزوجها تفويضا ( بما فرضه ) أي بما سماه زوجها ( بعد عتقها لها ) متعلق بفرضه فيكون لها لا للسيد ، ولو شرطه لنفسه ; لأنه مال تجدد لها بعد العتق فالتشبيه في مفاد قوله لها فإن بنى بها قبل الفرض فلها صداق المثل رضيت أم لا ( إلا أن يأخذه السيد ) من الزوج قبل عتقها ( أو يشترطه ) لنفسه بعد ما ملكته قبل عتقها بالدخول فيكون له فهذا الاستثناء راجع لقوله وبعده لها .

التالي السابق


( فصل وجاز لمن كمل عتقها فراق العبد ) .

( قوله : ولمن كمل عتقها ) أي في مرة أو مرات بأن أعتق السيد جميعها إن كانت كاملة الرق أو باقيها إن كانت مبعضة أو عتقت بأداء كتابتها أو كانت مدبرة وعتقت من ثلث ماله أو أم ولد عتقت من رأس ماله واحترز بقوله كمل عتقها عما إذا حصل لها شائبة حرية كتدبير أو عتق لأجل أو عتق بعض أو إيلاد من سيد كما لو غاب الزوج واستبرأها السيد من ماء الزوج وارتكب المحظور ووطئها فولدت فلا يحصل لها الخيار بمجرد ذلك بل بعد الأجل أو موت السيد وقوله : فراق العبد ابن رشد علة تخييرها نقص زوجها لا جبرها على النكاح ولذا قلنا : لا خيار لها إذا كمل عتقها وهي تحت الحر علي وقول أهل العراق من أن علته جبرها على النكاح لها الخيار إذا كمل عتقها تحت الحر أيضا .

( قوله : ولو بشائبة رق ) أي ولو كان فيه شائبة رق والأحسن شائبة الحرية ( قوله : فيحال بينهما إلخ ) نحوه في المدونة وابن الحاجب وابن عرفة قائلا عدم ذكر أكثرهم وحيل بينهما مخل بفائدة معتبرة ا هـ بن .

( قوله : حتى تختار ) هذا إذا كانت بالغة رشيدة وينظر السلطان للصغيرة بالمصلحة ، وكذا للسفيهة ما لم تبادر لاختيار نفسها ، ولو رضيت الصغيرة أو السفيهة بالإقامة معه يلزمها على قول ابن القاسم إن كان حسن نظر ولزمها على قول أشهب مطلقا .

( قوله : بأن قالت إلخ ) تصوير لإبهامها ، وأما تبيينها فبأن تقول طلقت نفسي طلقة واحدة .

( قوله : بالرفع ) فيه نظر ، إذ قطع النعت هنا على التبعية لا يجوز لقولهم : إن نعت النكرة لا يقطع إلا إذا وصفت قبله بنعت آخر وذلك مفقود هنا وما زعمه في الجر من الإيهام فهو غير صحيح تأمل ا هـ بن .

( قوله : إذ لو قلنا إلخ ) علة المحذوف أي وإنما قلنا : إنها بائنة ; لأنا لو قلنا إلخ .

( قوله : لم يكن لاختيارها الواحدة فائدة ) أي لأن الرجعية زوجة فلا معنى لاختيارها .

( قوله : وهذا ) أي ما ذكر من أن لها الفراق بطلقة لا أكثر .

( قوله : فأو لتنويع الخلاف ) هذا نحو قول تت هذه رواية ثانية رجع لها مالك فليست أو للتخيير ، ولو قال وهل بطلقة بائنة أو اثنتين روايتان لكان أبين ا هـ وظاهر نقل اللخمي وغير واحد أن اختلاف قول مالك فيما زاد على الواحدة إنما هو بعد الوقوع وصوبه ابن عرفة بمعنى أنه اختلف في لزوم ما زاد على الواحدة بعد الوقوع ، وأما ابتداء فيتفق على أنها تؤمر بإيقاع واحدة فقط هذا ، وقد استبعد طفى كون أو لتنويع الخلاف قائلا : إنه إخراج لكلام المصنف عن ظاهره بلا داع إذ لم يعهد فيه الإشارة للخلاف بهذه العبارة وما المانع من حمل كلام المصنف على ظاهره من كون أو للتخيير ويكون المصنف جاريا على القول المرجوع إليه ففي المدونة قال مالك وللأمة إذا عتقت أن تختار نفسها بالبتات . وكان مالك يقول : لا تختار إلا واحدة بائنة . وقاله أكثر الرواة وبتاتها اثنان ، إذ هما بتات العبد .

( قوله : أي نصفه ) الأولى جميعه إلا أن يقال مراده سقوط النصف الذي كانت تستحقه بالفراق قبل البناء فيلزم سقوط الجميع لاختيارها . ابن الحاجب فإن اختارت قبل فلا صداق قال في التوضيح يعني أنه لا يكون لها نصفه ا هـ وفي المدونة ، وإن اختارت قبل البناء فلا مهر لها ا هـ ; لأن الفراق جاء من قبلها انظر بن .

( قوله : باختيارها نفسها قبل البناء ) أي وأما لو كمل عتقها قبل البناء فإن اختارت المقام معه لم يسقط ; لأنه مال من أموالها يتبعها إذا عتقت إلا أن يكون سيدها أخذه حين العقد عليها أو اشترط أخذه من الزوج والفرض أنها رضيت المقام معه .

( قوله : والفراق ) عطف على صداقها أي وسقط اختيار الفراق والموضوع أنه وقع العتق قبل البناء ففيه الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه ولا يقال إنه لا حذف ; لأن قوله قبل البناء قيد في المعطوف عليه فيكون قيدا في المعطوف ; لأنا نقول : ما كان قيدا في المعطوف عليه لا يلزم [ ص: 292 ] جريانه في المعطوف .

( قوله : وكان عديما ) جملة حالية ماضوية فلذا قدر الشارح قوله : وكان عديما يوم العتق مثله لو كان مليا وقت العتق إلا أنه صار وقت اختيار الزوجة ا هـ عدوي وهو تابع للشيخ أحمد الزرقاني ، والذي في عبارة ابن شاس وابن عرفة إن كان معسرا يوم عتقها واستمر عدمه لوقت القيام عليه إلخ ، أي وأما إن كان مليا يوم العتق ، ثم أعسر بعد فلها الخيار ويتبع الزوج السيد في ذمته ; لأن الصداق كدين طرأ على العتق فلا يبطله انظر بن .

( قوله : إذ لو مكنت إلخ ) علة لقوله وسقط الفراق إن قبضه السيد وكان عديما .

( قوله : يؤدي إلى نفي عتقها ) أي وإذا انتفى العتق انتفى الخيار فصار ثبوت الخيار يؤدي لنفي الخيار فاتضح قوله : وما أدى ثباته إلخ .

( قوله : وإن عتقت بعده ) أي واختارت نفسها .

( قوله : فهو لها ) أي فالصداق بتمامه لها .

( قوله : إلا أن يأخذه السيد ) أي إلا أن يكون السيد أخذه من الزوج حين العقد عليها أو أخذه منها بعد ذلك وقبل العتق على سبيل الانتزاع .

( قوله : أو يشترطه ) أي أو لم يأخذه ولكن اشترط عليها قبل العتق أخذه كأعتقتك بشرط أن آخذ صداقك .

( قوله : كما لو رضيت قبل البناء ) هذا تشبيه في أن الصداق يكون للأمة لا للسيد ، ولو اشترطه وصورته زوج أمته نكاح تفويض ، ثم نجز عتقها ، ثم فرض الزوج لها صداقها ورضيت بالمقام معه وذلك قبل البناء فإن الصداق يكون لها ; لأنها ملكته بالفرض المتأخر عن العتق ، والسيد إنما له انتزاع المال الذي ملكته الأمة قبل العتق وهذا إنما ملكته بعد عتقها ، فلو فرضه الزوج قبل العتق كان للسيد إن اشترطه وكل هذا إذا كان العتق قبل البناء ، وأما لو بنى الزوج بها ونجز السيد عتقها فالصداق للسيد إن اشترطه وقع الفرض قبل العتق أو بعده .

( قوله : وهي مفوضة ) حال من فاعل رضيت أي في حال كونها مفوضا نكاحها ; لأن التفويض من صفات النكاح لا من صفاتها .

( قوله : بما فرضه بعد عتقها لها ) أي وأما لو فرضه قبل عتقها فإن اشترطه السيد كان له ; لأنه مال ملكته قبل العتق كما مر .

( قوله : فالتشبيه في مفاد قوله لها ) أي أن التشبيه في أن الصداق يكون للأمة لا للسيد ، ولو اشترطه .

( قوله : راجع لقوله وبعده لها ) قال ابن غازي يتعين رجوع الاستثناء لما قبل الكاف أعني قوله وبعده لها لتعذر رجوعه لما بعد الكاف وذلك مصرح به في المدونة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث