الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل يصح إطلاق جمع المشترك على معانيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل )

( يصح إطلاق جمع المشترك ) على معانيه ( ومثناه ) على معنييه معا ( ك ) إطلاق ( مفرد على كل معانيه ) أما إرادة المتكلم باللفظ المشترك أحد [ ص: 368 ] معانيه أو أحد معنييه . فهو جائز قطعا ، وهو حقيقة ، لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له . وأما إرادة المتكلم باللفظ المشترك استعماله في كل معانيه - وهي مسألة المتن - ففيه مذاهب . أحدها - وهو الصحيح - يصح ، كقولنا : العين مخلوقة ، ونريد جميع معانيها .

وعلى هذا أكثر الأصحاب . قال في الانتصار - لما قيل له فيمن لا يجد نفقة امرأته - : يفرق بينهما ، أي لا يحبسها . فقال : الظاهر منها الإطلاق ، على أنه عام في العقد والمكان معا . ونسب إلى الشافعي . وقطع به من أصحابه : ابن أبي هريرة ، ومثله بقوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي } فإن الصلاة من الله الرحمة ، ومن الملائكة الدعاء . وكذا لفظ { شهد الله أنه لا إله إلا هو } وشهادته تعالى علمه ، وشهادة غيره إقراره بذلك . وبقوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } النكاح العقد ، والوطء مرادان لنا منه إذا قلنا : النكاح مشترك . وقطع به الباقلاني . ونقله أبو المعالي عن مذهب المحققين وجماهير الفقهاء ويكون إطلاقه على معانيه أو معنييه مجازا لا حقيقة . نقله صاحب التلخيص من الشافعية عن الشافعي ، وإليه ميل إمام الحرمين واختاره ابن الحاجب وتبعه في جمع الجوامع . وقيل : حقيقة . المذهب الثاني : يصح إطلاقه على معنييه أو معانيه بقرينة متصلة . المذهب الثالث : صحة استعماله في معنييه في النفي دون الإثبات ، لأن النكرة في سياق النفي تعم . المذهب الرابع : صحة استعماله في غير مفرد . فإن كان جمعا كاعتدي بالأقراء ، أو مثنى ، كقرأين صح . المذهب الخامس : صحة استعماله إن تعلق أحد المعنيين بالآخر ، نحو قوله تعالى { أو لامستم النساء } فإن كلا من اللمس باليد والوطء لازم للآخر . المذهب السادس : يصح استعماله بوضع جديد ، لكن ليس من اللغة ، فإن اللغة منعت منه المذهب السابع : لا يصح مطلقا . اختاره من أصحابنا القاضي وأبو الخطاب وابن القيم .

وحكاه عن الأكثرين . قال في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - في منع كون الصلاة من الله سبحانه وتعالى الرحمة - : الأكثرون لا يجوزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز . [ ص: 369 ]

ورد ما ورد عن الشافعي . قال : وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معا بضعة عشر دليلا في مسألة القرء في كتاب التعليق على الأحكام .

فعلى الجواز : هو ظاهر في معنييه أو معانيه ، فيحمل على جميعها ; لأنه لا تدافع بينها وقيل : هو مجمل ، فيرجع إلى مخصص . قال الإسنوي وغيره : ومحل الخلاف بين الشافعي وغيره في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما هو في الكلي العددي ، كما قاله في التحصيل ، أي في كل فرد ، فردوا ذلك بأن يجعله يدل على كل واحد منهما على حدته بالمطابقة في الحالة التي تدل على المعنى الآخر بها . وليس المراد بالكلي المجموعي ، وهو أن يجعل مجموع المعنيين مدلولا مطابقا كدلالة العشرة على آحادها ، ولا الكلي البدلي ، وهو أن يجعل كل واحد منهما مدلولا مطابقا على البدل . انتهى . ثم اعلم أن جمع المشترك باعتبار معانيه مبني على جواز استعمال المفرد في معانيه . ووجه البناء : أن التثنية والجمع تابعان لما يسوغ على المفرد فيه ، فحيث جاز استعمال المفرد في معنييه أو معانيه جاز تثنية المشترك وجمعه ، وحيث لا فلا ، فتقول : عيون زيد ، وتريد : بذلك العين الباصرة ، والعين الجارية ، وعين الميزان ، والذهب الذي لزيد . واستعمل الحريري ذلك في المقامات ، في قوله " فانثنى بلا عينين " يريد الباصرة والذهب . وهذا قول كثير . وقيل : يجوز تثنيته وجمعه ، وإن لم يصح إطلاق المفرد على معانيه . وقيل بالمنع مطلقا .

( ويصح إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه الراجح معا ) ويكون إطلاقه عليهما معا مجازا . فيحمل عليهما على ما تقدم من الأقوال والأحكام ، إلا أن القاضي أبا بكر الباقلاني قال : استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه محال لأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له والمجاز فيما لم يوضع له ، وهما متناقضان . انتهى . ومن أمثلة ذلك : قوله سبحانه وتعالى { يوصيكم الله في أولادكم } فإنه حقيقة في ولد الصلب ، مجاز في ولد الابن . ومثله قوله تعالى { وافعلوا الخير } فإنه شامل للوجوب والندب ، خلافا لمن خصه بالوجوب وبعضهم قال : إن مدلول ذلك القدر المشترك ، وهو مطلق الطلب ، فرارا من الاشتراك والمجاز . ومن ذلك ما قاله المجد في قوله صلى الله عليه وسلم { اقرءوا يس [ ص: 370 ] على موتاكم } يشمل المحتضر والميت قبل الدفن وبعده ، فبعد الموت حقيقة ، وقبله مجاز . ومن ذلك أيضا : ما قاله القاضي وابن عقيل وغيرهما : اللمس حقيقة في اللمس باليد ، مجاز في الجماع ، فيحمل عليهما . ويجب الوضوء منهما جميعا ، لأنه لا تدافع بينهما . وفي المسألة قول آخر : أنه يجب الحمل على الحقيقة دون المجاز ( وهو ) أي اللفظ حالة إطلاقه على الحقيقة ومجازه ( ظاهر فيهما ) أي غير مجمل ، ولا ظاهر في أحدهما دون الآخر ، إذ لا قرينة تدل على أن المراد أحدهما ( فيحمل عليهما كعام ) ومحل صحة الإطلاق والحمل إن لم يكن تناف بين المعنيين ( فإن تنافيا كافعل ، أمرا وتهديدا : امتنع ) الإطلاق والحمل ( وألحق ) بالبناء للمفعول ( بذلك ) أي بما تقدم اللفظان ( المجازان المستويان ) مثال ذلك لو حلف لا يشتري دار زيد ، وقامت قرينة على أن المراد : أنه لا يعقد بنفسه ، وتردد الحال بين السوم وشراء الوكيل : هل يحمل عليهما أم لا ؟ فمن جوز الحمل يقول : يحنث كل منهما ( ودلالة الاقتضاء والإضمار عامة ) عند الأكثر من أصحابنا والمالكية .

وعند القاضي وجمع مجملة . وعند ابن حمدان وأكثر الحنفية والشافعية هي لنفي الإثم . واستدل للأول - وهو الصحيح - بما رواه الطبراني والدارقطني بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعا { إن الله تعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } ورواه ابن ماجه بلفظ { إن الله وضع } ورواه ابن عدي { إن الله رفع عن هذه الأمة ثلاثا : الخطأ ، والنسيان ، والأمر يكرهون عليه } فمثل هذا يقال فيه : مقتضى الإضمار ، ومقتضاه الإضمار ، ودلالته على المضمر دلالة إضمار واقتضاء .

فالمضمر عام . قال ابن العراقي : ويسمى مقتضى ، لأنه أمر اقتضاه النص لتوقف صحته عليه . وهو بكسر الضاد : اللفظ الطالب للإضمار ، وبفتحها . ذلك المضمر نفسه الذي اقتضاه الكلام . تصحيحا . . وهو المراد هنا . انتهى . قال البرماوي : المقتضي - بالكسر - : الكلام المحتاج للإضمار ، وبالفتح : هو . ذلك المحذوف . ويعبر عنه أيضا بالمضمر . فالمختلف في عمومه : على الصحيح المقتضى - بالفتح - بدليل استدلال من نفى عمومه بكون العموم من عوارض الألفاظ ، فلا يجوز دعواه [ ص: 371 ] في المعاني . ويحتمل أن يكون في المقتضي - بالكسر - وهو المنطوق به ، المحتاج في دلالته للإضمار ، كما صور به بعض الحنفية . وبالجملة في أصل المسألة : أن المحتاج إلى تقدير في نحو { حرمت عليكم الميتة } وغيرها من الأمثلة ، إن دل الدليل على تقدير شيء من المحتملات كلها ، وهو المراد بالعموم في هذه المسألة أولا ؟ . فيه مذاهب . ووجهه : أنه لم يرد رفع الفعل الواقع ، بل ما تعلق به . فاللفظ محمول عليه بنفسه مع قرينة عقلية . احتج به القاضي وغيره قال بعض أصحابنا إن ما عليه اللفظ بنفسه مع قرينة عقلية . فهو حقيقة ، أو أنه حقيقة عرفية ، لكن مقتضاه الأول . وكذا في التمهيد والروضة : أن اللفظ يقتضي ذلك .

واعترض : لا بد من إضمار ، فهو مجاز ، ورد بالمنع كذلك . ثم قولنا أقرب إلى الحقيقة ، وعورض بأن باب الإضمار في المجاز أقل ، فكلما قل قلت مخالفة الأصل فيه ، فيسلم قولنا : لو عم أضمر من غير حاجة . ولا يجوز رد بالمنع ، فإن حكم الخطإ عام ولا زيادة ، ويمنع أن زيادة حكم مانع . وقال بعض أصحابنا عن بعضهم : التخصيص كالإضمار . وكذا قال إلكيا في الإضمار : هل هو من المجاز أم لا ؟ فيه قولان ، كالقولين في العموم والخصوص ، فإنه نقص المعنى عن اللفظ . والإضمار عكسه ، وليس فيهما استعمال اللفظ في موضع آخر . وفي التمهيد : لأن الإثم لا مزية لأمته فيه على الأمم لأن الناسي غير مكلف ، ولأنه المعروف في نحو : ليس . للبلد سلطان ، لنفي الصفات التي تنبغي له . ولا وجه لمنع الآمدي العرف في نحو : ليس للبلد سلطان . وكلام الآمدي وغيره في التحريم المضاف إلى العين ، ونحو { لا صلاة إلا بطهور } يخالف ما ذكروه هنا . وقالوا فيه بزيادة الإضمار ، وأنه أولى . وقالوا في { رفع عن أمتي } لا إجمال فيه ولا إضمار ، لظهوره لغة قبل الشرع في نفي المؤاخذة والعقاب ، وتبادره إلى الفهم . والأصل فيما تبادر : أنه حقيقة لغة أو عرفا . ( و ) ما من اللفظ ( مثل : لا آكل ، أو إن أكلت فعبدي حر : يعم مفعولاته ، فيقبل تخصيصه ) وكذا سائر الأفعال المتعدية قال البرماوي : الفعل المنفي هل يعم ، حتى إذا وقع في يمين ، نحو والله لا آكل [ ص: 372 ] أو لا أضرب أو لا أقوم ، أو ما أكلت أو ما قعدت ونحو ذلك ، ونوى تخصيصه بشيء يقبل ، أو لا يعم فلا يقبل ؟ ينظر . إما أن يكون الفعل متعديا أو لازما . فالأول : هو الذي ينصب فيه الخلاف عند الأكثر . فإذا نفي ولم يذكر له مفعول به ، ففيه مذهبان . أحدهما - وهو قول أصحابنا والشافعية والمالكية وأبي يوسف - أنه يعم . والمذهب الثاني : أنه لا يعم . وهو قول أبي حنيفة والقرطبي والرازي .

ومنشأ الخلاف : النفي للأفراد ، فيقبل إرادة التخصيص ببعض المفاعيل به لعمومه . أو لنفي الماهية ولا تعدد فيها ، فلا عموم . والأصح هو الأول ( فلو نوى ) مأكولا ( معينا : قبل باطنا ) عند أصحابنا والمالكية والشافعية ، خلافا للحنفية وابن البنا والقرطبي والرازي . فإن ذكر المفعول به ، . ك لا أكل تمرا أو زبيبا ، أو لا أضرب عبدا ، فلا خلاف بين الفريقين في عمومه وقبوله التخصيص . واحتج القائلون بقوله " باطنا " بصحة الاستثناء فيه ، فكذا تخصيصه . قال المخالف : المأكول لم يلفظ به ، فلا عموم ، كالزمان والمكان . ورد بأن الحكم واحد عندنا وعند المالكية . قال ابن مفلح : ويتوجه احتمال بالفرق كقول الشافعية ( فلو زاد ) فقال : إن أكلت ( لحما ) مثلا ( ونوى ) لحما ( معينا ، قبل ) منه نية التعيين ( مطلقا ) أي باطنا وظاهرا قال ابن مفلح عندنا وهو ظاهر ، ما ذكر عن غيرنا ، وقاله الحنفية ، وذكره بعض أصحابنا اتفاقا ، وخرجه الحلواني من أصحابنا على روايتين ( والعام في شيء عام في متعلقاته ) وهذا هو المعروف عند العلماء . قال ابن مفلح : خلافا لبعض المتأخرين . قال الإمام . أحمد في قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } ظاهرها على العموم : أن من وقع عليه اسم ولد فله ما فرض الله . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المعبر عن الكتاب - أن الآية إنما قصدت للمسلم ، لا للكافر . وقال بعض أصحابنا : سماه عاما . وهو مطلق في الأحوال يعمها على البدل . ومن أخذ بهذا لم يأخذ بما دل عليه ظاهر لفظ القرآن ، بل بما ظهر له مما سكت عنه القرآن . وقال في . قوله تعالى . " اقتلوا المشركين " عامة فيهم ، مطلقة في أحوالهم . فإذا جاءت السنة بحكم لم يكن مخالفا لظاهر لفظ القرآن ، بل لما [ ص: 373 ] لم يتعرض له . وقال : واحتج أصحابنا ، كالقاضي وأبي الخطاب وغيرهم من المالكية والشافعية ، بعموم قوله . صلى الله عليه وسلم . { لا وصية لوارث } في الوصية للقاتل ، وفي وصية المميز .

وفيه نظر . واحتج جماعة على الشفعة للذمي على المسلم بقوله . صلى الله عليه وسلم . " الشفعة فيما لم يقسم " وأجاب جماعة من أصحابنا أنه عام في الأملاك . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث