الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


149 [ ص: 5 ] كتاب الصلاة [ ص: 6 ] [ ص: 7 ] ( 1 ) باب ( ما جاء ) في النداء للصلاة

123 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ; أنه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أراد أن يتخذ خشبتين ، يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة . فأري عبد الله بن زيد الأنصاري ، ثم من بني الحارث بن الخزرج ، خشبتين في النوم . فقال : إن هاتين لنحو مما يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل : ألا تؤذنون للصلاة ؟ فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فذكر له ذلك فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأذان .

التالي السابق


3851 - قال أبو عمر : روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة عبد الله بن زيد ، [ ص: 8 ] ورؤياه في بدء الأذان - جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة ، قد ذكرت منها في التمهيد ما فيه بلاغ وشفاء .

3852 - على أنا لم نقتصر منها إلا على أحسنها ، وهي متواترة الطرق من نقل أهل المدينة وأهل الكوفة .

3853 - ولا أعلم فيها ذكر الخشبتين إلا في مرسل يحيى بن سعيد هذا .

3854 - وفي حديث أبي جابر البياضي ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن زيد ذكره عبد الرزاق ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أبي جابر البياضي .

وإبراهيم وأبو جابر متروكان .

[ ص: 9 ] 3855 - وأما سائر الآثار فإنما فيها : أنه أراد أن يتخذ بوقا كبوق اليهود . وفي بعضها : شبور كشبور النصارى . وفي أكثرها : ناقوس كناقوس النصارى ، حتى رأى عبد الله بن زيد رؤياه في الأذان ، ورأى عمر بن الخطاب مثل ذلك . فلما حكى عبد الله بن زيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان الذي علمه في المنام قال له : " ألقه على بلال ; فإنه أندى منك صوتا " .

3856 - وقد ذكرنا الآثار بذلك كله في التمهيد .

[ ص: 10 ] 3857 - وفي ذلك أوضح الدلائل على أن الرؤيا من الوحي والنبوة ، وحسبك بذلك فضلا لها وشرفا . ولو لم تكن من الوحي ما جعلها - عليه السلام - شرعة ومنهاجا لدينه ، والله أعلم .

3858 - والآثار المروية في الأذان ، وإن اختلفت الألفاظ فيها فهي متفقة كلها في أن أصل أمره ، وبدء شأنه كان عن رؤيا عبد الله بن زيد .

3859 - وقد رآه عمر أيضا .

[ ص: 11 ] 3860 - وأجمع المسلمون على أن رسول الله - عليه السلام - أذن له بالصلاة حياته كلها في كل مكتوبة ، وأنه ندب المسلمين إلى الأذان ، وسنه لهم .

3861 - وقد اختلف العلماء في وجوبه على الجماعات والمنفردين ، على حسب ما نذكره في هذا الباب ، وفيما بعده من هذا الكتاب ، والأحاديث عن أبي محذورة في الأذان أيضا مختلفة في التكبير : في أوله ، وفي الترجيع .

[ ص: 12 ] 3862 - وعلى حسب اختلاف الروايات في ذلك عن بلال وأبي محذورة - اختلف الفقهاء ، واختلف كل فريق منهم ببلده أيضا ، إلا أن الأذان مما يصح الاحتجاج فيه بالعمل المتواتر في ذلك في كل بلد ; ولذلك قال الجلة من المتأخرين بالتخيير والإباحة في كل وجه نقل منه .

3863 - وأما اختلاف أئمة الأمصار في كيفية الأذان والإقامة - فذهب مالك ، والشافعي ، وأصحابهما إلى أن الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة مرة .

3864 - إلا أن الشافعي يقول في أول التكبير : الله أكبر ، أربع مرات ، وذلك محفوظ من رواية الثقات في حديث أبي محذورة ، وفي حديث عبد الله بن زيد ، قال : وهي زيادة يجب قبولها .

3865 - وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي محذورة كذلك إلى وقته وعصره .

3866 - قال أصحابه : وكذلك هو حتى الآن عندهم .

3867 - وذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين ، وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة ، وفي أذان عبد الله بن زيد . والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم .

[ ص: 13 ] 3868 - واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان ; وذلك رجوع المؤذن إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله ، مرتين ، رجع ، فمد صوته جهرة بالشهادتين ، مرتين .

3869 - ولا خلاف بين مالك والشافعي في الأذان إلا في التكبير في أوله ; فإن مالكا يقوله مرتين : الله أكبر ، الله أكبر ، والشافعي يقوله أربع مرات .

3870 - ولا خلاف بينهما في الإقامة إلا في قوله : قد قامت الصلاة ; فإن مالكا يقولها مرة ، والشافعي يقولها مرتين . وأكثر العلماء على ما قال الشافعي ، وبه جاءت الآثار .

3871 - وأما الليث بن سعد فمذهبه في الأذان والإقامة كمذهب مالك سواء ، لا يخالفه في شيء من ذلك .

3872 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن - : الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى ، والتكبير عندهم في أول الأذان ، وأول الإقامة : الله أكبر ، أربع مرات . قالوا كلهم : ولا ترجيع في الأذان ، وإنما يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله ، مرتين ، ثم لا يرجع إلى الشهادة بعد ذلك ، ولا يمد صوته .

3873 - وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : حدثنا [ ص: 14 ] أصحاب محمد - عليه السلام - أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله ، رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران على جذم حائط ، فأذن مثنى مثنى ، وأقام مثنى مثنى ، وقعد قعدة بينهما ، قال : فسمع بذلك بلال ، فقام ، فأذن مثنى ، وقعد قعدة ، وأقام مثنى . يشفعون الأذان والإقامة ، وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق .

3875 - قال أبو إسحاق السبيعي : كان أصحاب علي وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة .

3875 - فهذا أذان الكوفيين متوارث عندهم به العمل قرنا بعد قرن أيضا ، كما توارث الحجازيون في الأذان زمنا بعد زمن على ما وصفنا .

3876 - وأما البصريون فأذانهم ترجيع التكبير مثل المكيين ، ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة ، وب أشهد أن محمدا رسول الله مرة ، ثم حي على الصلاة مرة ، ثم حي على الفلاح مرة ، ثم يرجع المؤذن ، فيمد صوته ، ويقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، الأذان كله مرتين مرتين إلى آخره .

3877 - أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا يزيد بن إبراهيم أنه سمع الحسن وابن سيرين يصفان الأذان : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر . أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا [ ص: 15 ] رسول الله . حي على الصلاة ، حي على الفلاح . يسمع بذلك من حوله ، ثم يرجع ، فيمد صوته ، ويجعل إصبعيه في أذنيه ، فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله ، مرتين ، حي على الصلاة ، مرتين ، حي على الفلاح ، مرتين ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله .

3878 - وأما أحمد بن حنبل فذكر عنه أبو بكر الأثرم أنه سمعه يقول : أنا أذهب في الأذان إلى حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن أبيه - ثم وصفه أبو عبد الله ، فكبر أربعا ، وتشهد مرتين مرتين ، لم يرجع .

3879 - قال أحمد : والإقامة : الله أكبر مرتين ، وسائرها مرة مرة ، إلا قوله : قد قامت الصلاة ، فإنها مرتين .

3880 - قال أبو بكر : وسمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول : من أقام مثنى مثنى لم أعنفه ، وليس به بأس .

3881 - قيل لأبي عبد الله : حديث أبي محذورة صحيح ؟

3882 - فقال : أما أنا فلا أدفعه .

3883 - ( قيل له : أفليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد ؟ )

[ ص: 16 ] 3884 - فقال : أليس قد رجع النبي - عليه السلام - إلى المدينة ، فأقر بلالا على أذان عبد الله بن زيد ؟

3885 - قال أبو عمر : ذهب أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وداود بن علي ، ومحمد بن جرير - إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله في ذلك ، وحملوه على الإباحة والتخيير ، وقالوا : كل ذلك جائز ; لأنه قد ثبت عن النبي - عليه السلام - جواز ذلك ، وعمل به أصحابه . فمن شاء قال : الله أكبر ، الله أكبر ، مرتين في أول الأذان ، ومن شاء قال ذلك أربعا ، ومن شاء رجع في أذانه ، ومن شاء لم يرجع ، ومن شاء ثنى الإقامة ، ومن شاء أفردها ، إلا قوله : قد قامت الصلاة ; فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال .

3886 - ذكر ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : الإقامة مرة مرة ، فإذا قال : قد قامت الصلاة ، قال مرتين .

3887 - ومن حجة من قال : قد قامت الصلاة ، مرتين - حديث أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : أمر بلال أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة ; يعني قوله : قد قامت الصلاة ، فإنه يثنيه .

3888 - وحديث شعبة ، عن أبي جعفر المؤذن ، عن أبي المثنى ، أنه سمع ابن عمر يقول : كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثنى مثنى ، والإقامة مرة مرة ، إلا قوله : قد قامت الصلاة ; فإنه كان يقوله المؤذن مرتين .

[ ص: 17 ] 3889 - واختلف العلماء في وجوب الأذان .

3890 - فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في مساجد الجماعات ; حيث يجتمع الناس . وقد نص ذلك في موطئه .

3891 - واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين :

3892 - ( أحدهما ) أنه سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر ، وما جرى مجرى المصر من القرى .

3893 - وقال بعضهم : هو فرض على الكفاية .

3894 - وكذلك اختلف أصحاب الشافعي .

3895 - وذكر الطبري عن مالك ، قال : إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا [ ص: 18 ] الصلاة ، ولا أعلم خلافا في وجوب الأذان جملة على أهل الأمصار ; لأنه من العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر .

3896 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية يقول لهم : " إذا سمعتم الأذان فأمسكوا ، وكفوا . وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا " ، أو قال : " فشنوا الغارة " .

3897 - وقال عطاء ، ومجاهد ، والأوزاعي ، وداود : الأذان فرض ، ولم يقولوا : على الكفاية .

3898 - وسنزيد المسألة بيانا فيما بعد - إن شاء الله - من هذا الباب ، ومن باب النداء في السفر بعون الله . وقد ذكرنا الآثار بذلك في التمهيد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث