الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 30 ] كتاب الظهار وهو محرم وهو أن يشبه امرأته ، أو عضوا منها بظهر من تحرم عليه على التأبيد - بها ، أو بعضو منها فيقول : أنت علي كظهر أمي ، أو كيد أختي ، أو كوجه حماتي ، أو ظهرك أو يدك علي كظهر أمي أو كيد أختي أو خالتي من نسب أو رضاع . وإن قال : أنت علي كأمي ، كان مظاهرا . وإن قال : أردت كأمي في الكرامة ، ونحوه دين . وهل يقبل في الحكم ؛ يخرج على روايتين . وإن قال : أنت كأمي ، أو مثل أمي فذكر أبو الخطاب فيها روايتين ، والأولى أن هذا ليس بظهار إلا أن ينويه أو يقترن به ما يدل على إرادته . وإن قال : أنت علي كظهر أبي ، أو كظهر أجنبية ، أو أخت زوجتي ، أو عمتها ، أو خالتها ، فعلى روايتين . وإن قال : أنت علي كظهر البهيمة لم يكن مظاهرا . وإن قال : أنت علي حرام ، فهو مظاهر إلا أن ينوي طلاقا ، أو يمينا ، فهل يكون ظهارا ، أو ما نواه ؛ على روايتين .

التالي السابق


كتاب الظهار

هو
مشتق من الظهر سمي بذلك لتشبيه الزوجة بظهر الأم ، وإنما خصوا الظهر دون غيره ; لأنه موضع الركوب إذ المرأة مركوبة إذا غشيت ، فقوله : أنت علي كظهر أمي ، أي : ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أمي للنكاح فأقام الظهر مقام الركوب ; لأنه مركوب ، وأقام الركوب مقام النكاح ; لأن الناكح راكب . ويقال : كانت المرأة بالظهار تحرم على زوجها ، ولا تباح لغيره فنقل الشارع حكمه لا تحريمها . ووجوب الكفارة بعد العود وأبقى محله ، وهو الزوجية ( وهو محرم ) إجماعا حكاه ابن المنذر . وسنده قوله تعالى : وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا [ المجادلة : 2 ] . وقول المنكر والزور من أكبر الكبائر للخبر . ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم لقوله تعالى : ما هن أمهاتهم [ المجادلة : 2 ] وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم [ الأحزاب : 4 ] ، والسنة حديث أوس بن الصامت حين ظاهر من زوجته خويلة بنت مالك بن ثعلبة فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكيه فأنزل الله أول سورة المجادلة . رواه أبو داود وصححه ابن حبان ، والحاكم وفيه أحاديث أخر ستأتي ( وهو أن يشبه امرأته ، أو عضوا منها بظهر من تحرم عليه على التأبيد - بها ، أو بعضو منها ) إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه على التأبيد كقوله : أنت علي كظهر أمي . فهو مظاهر إجماعا ، وإن شبهها بظهر من تحرم من ذوي رحمه كجدته [ ص: 31 ] وخالته فكذلك في قول أكثرهم ; لأنهن محرمات بالقرابة أشبهن الأم ، ( فيقول : أنت علي كظهر أمي ، أو كيد أختي ، أو كوجه حماتي ) الأحماء في اللغة أقارب الزوج ، والأختان أقارب المرأة ، والأصهار لكل واحد منهما ، ونقل ابن فارس أن الأحماء كالأصهار ، فعلى هذا فيقال هذه حماة زيد وحماة هند . ( أو ظهرك ، أو يدك علي كظهر أمي ) على الأصح فيه ( أو كيد أختي ، أو خالتي ) لأنه تشبيه لعضو منها بعضو من تحرم عليه على التأبيد أشبه ما لو قال أنت علي كظهر أمي ، وإنما كان ذلك ظهارا ; لأنه قد أتى بالمنكر من القول ، والزور وذلك موجود في تشبيه عضو منها بذلك . ( من نسب ) كالأمهات ، والجدات ( أو رضاع ) كالأمهات المرضعات ، والأخوات من الرضاعة لاستوائهما في التحريم على التأبيد . وعنه لا يكون ظهارا . قاله الحلواني حتى يشبه جملة امرأته ; لأنه لو حلف بالله ، لا يمس عضوا منها لم يسر إلى غيره . والأول المذهب ; لأن تحريم المحرمات من النسب ، والرضاع ، إنما كان لمعان نظر إليها الشارع فيهن فحرمهن لتلك المعاني وأباح الزوجة لمعنى فيها فإلحاقها في التحريم بمن حرمه الله عز وجل افتراء على الله وتحريم لما أباحه الله منهن . وظاهره ، ولو وقع منه بغير العربية ، فإن قال كشعر أمي ، أو سنها ، أو ظفرها فلغو ; لأنها ليست من الأعضاء الثابتة وكذا الريق والدم والروح . وكوجهي من وجهك حرام وليس بظهار نص عليه وأمي امرأتي ، أو مثلها . وفي " المبهج " أنه كطلاق .

تنبيه : إذا قال : أنت علي ، أو عندي ، أو مني ، أو معي كأمي ، أو مثل [ ص: 32 ] أمي ، وأطلق . فهو ظهار وعنه لا ، اختاره في " الإرشاد " و " المغني " ، وإن نوى في الكرامة ، ونحوها دين ، وفي الحكم روايتان ، وإن قال : جملتك ، أو بدنك ، أو جسمك ، أو ذاتك ، أو كلك علي كظهر أمي كان ظهارا كقوله : أنت ; لأنه أتى بما يقضي تحريمها عليه ، فانصرف الحكم إليه كما لو قال أنت طالق . وإن قال : أنت كظهر أمي طالق ، أو عكسه لزما .

فائدة : يكره أن يسمي الرجل زوجته بمن تحرم عليه لما روى أبو داود : أن رجلا قال لامرأته : يا أخته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أختك هي فكره ذلك ونهى عنه ، ولأنه لفظ يشبه الظهار ، ولا يثبت حكمه .

وإن قال أنت علي كأمي كان مظاهرا ; لأنه شبه امرأته بأمه أشبه ما لو شبهها بعضو من أعضائها ، وهذا إذا نوى به الظهار ، فإن أطلق فروايتان ، قال ابن أبي موسى : أظهرهما أنه ليس بظهار حتى ينويه . وقال أبو بكر : هو صريح في الظهار ، ونص عليه . قال المؤلف : وقياس المذهب عندي أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن يخرجه مخرج الحلف ، أو قال ذلك حال الخصومة ، والغضب .

( وإن قال : أردت كأمي في الكرامة ، ونحوه دين ) ، لأنه أعلم بمراده . ( وهل يقبل في الحكم ؛ يخرج على روايتين ) ، أصحهما ، واختاره المؤلف أنه يقبل ; لأنه لما احتمل الظهار وغيره ترجح عدم الظهار بدعوى الإرادة ، والثانية : لا يقبل ; لأنه لما قال أنت علي كأمي اقتضى أن يكون فيها تحريم أشبه ما لو قال أنت علي كظهر أمي .



[ ص: 33 ] ( وإن قال : أنت كأمي ، أو مثل أمي ) بإسقاط علي ، أو عندي . فهو مظاهر إن نواه ; لأنه يحتمله ، ذكره في " الشرح " ( فذكر أبو الخطاب فيها روايتين ) مثل قوله أنت علي كأمي ، وكذا يتخرج في قوله رأسك كرأس أمي ، أو يدك كيدها وما أشبهه ، فلو قال : أمي امرأتي ، أو مثل امرأتي لم يكن ظهارا ; لأنه تشبيه لأمه ووصف لها وليس بوصف لامرأته . ( والأولى أن هذا ليس بظهار ) ، لأن اللفظ ظاهر في الكرامة فتعين حمله عليه عند الإطلاق ، ولأنه ليس بصريح فيه لكونه غير اللفظ المستعمل فيه ، كما لو قال أنت كبيرة مثل أمي ( إلا أن ينويه ، أو يقترن به ما يدل على إرادته ) ، لأن النية تعين اللفظ في المنوي ، والقرينة شبيهة بها . ( وإن قال : أنت علي كظهر أبي ) أو كأبي ، أو مثل أبي ( أو كظهر أجنبية ، أو أخت زوجتي ، أو عمتها ، أو خالتها ، فعلى روايتين ) إذا قال أنت علي كظهر أبي فعنه ظهار ; لأنه شبهها بظهر من يحرم عليه على التأبيد أشبه الأم ، وكذا إن شبهها بالميتة . والثانية : ليس بظهار ، وهي قول أكثر العلماء لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه ما لو قال أنت علي كما لزيد ، فعلى هذا عليه كفارة يمين لأنه نوع تحريم أشبه ما لو حرم ماله . وعنه لا شيء عليه أشبه التشبيه بمال غيره . وأما إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه تحريما مؤقتا كأخت امرأته وعمتها ، أو الأجنبية ، فالأشبه أنه ظهار . اختاره الخرقي وأبو بكر ورجحه في " الشرح " ; لأنه شبهها بمحرمة أشبه تشبيهها بالأم . والثانية : ليس بظهار ; لأنها غير محرمة على التأبيد ، فلا يكون التشبيه بها كافيا كالحائض .



[ ص: 34 ] ( وإن قال أنت علي كظهر البهيمة لم يكن مظاهرا ) لأنه ليس بمحل للاستمتاع ، وفيه وجه كما لو شبهها بظهر أبيه وأطلقهما في " المحرر " و " الفروع " . وذكر في " الرعاية " إذا نوى الظهار فليس مظاهرا . وقيل بلى ( وإن قال : أنت علي حرام ، فهو مظاهر ) إذا لم ينو به طلاقا ، ولا يمينا في قول أكثر العلماء ; لأن اللفظ ظاهر فيه فوجب كونه ظهارا كسائر الألفاظ الظاهرة . فلو زاد إن شاء الله فليس بظهار . نص عليه ( إلا أن ينوي طلاقا ، أو يمينا فهل يكون ظهارا ، أو ما نواه على روايتين ) . إذا نوى به الطلاق ، فالأشهر أنه ظهار ، نص عليه في رواية جماعة . وحكاه إبراهيم الحربي عن عثمان ، وابن عباس وغيرهما ; لأنه تحريم أوقعه في الزوجة ، فكان بإطلاقه ظهارا لشبهها بظهر أمه وكما لو قال أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق . والثانية : أنه ما نواه ; لأن النية إذا لم تكن موجبة ، فلا أقل من أن تكون صادقة . وعنه : أن التحريم يمين ، وروي عن ابن عباس لقوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [ التحريم : 1 ] . وأكثر الفقهاء على أن التحريم إذا لم ينو به الظهار فليس بظهار ، وإن نوى الظهار ، والطلاق معا كان ظهارا ; لأن اللفظ الواحد ، لا يكون كذلك .



فرع : إذا قال : ما أحل الله علي حرام من أهل ومال ، فكفارة ظهار ، تجزئه كفارة واحدة في ظاهر كلامه . ونصره المؤلف ; لأنه يمين واحدة ، فلا توجب كفارتين . واختار ابن عقيل أنه يلزمه كفارتان للظهار ولتحريم المال ; لأنه لو انفرد أوجب بذلك فكذا إذا اجتمعا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث