الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة الرعاية

ومن منازل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) منزلة الرعاية .

وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل . ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص . وحفظه من المفسدات . ومراعاة الحال بالموافقة . وحفظه بقطع التفريق . فالرعاية صيانة وحفظ .

ومراتب العلم والعمل ثلاثة : رواية : وهي مجرد النقل وحمل المروي . ودراية : وهي فهمه وتعقل معناه . و رعاية : وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه .

فالنقلة همتهم الرواية . والعلماء همتهم الدراية . والعارفون همتهم الرعاية . وقد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته . فقال تعالى : ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) .

" رهبانية " منصوب ب " ابتدعوها " على الاشتغال . إما بنفس الفعل المذكور - على قول الكوفيين - وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور - على قول البصريين - أي : وابتدعوا رهبانية . وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه .

فالوقوف التام عند قوله : ( ورحمة ) ثم يبتدئ : ( ورهبانية ابتدعوها ) أي : لم نشرعها لهم . بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ، ولم نكتبها عليهم .

وفي نصب قوله : ( إلا ابتغاء رضوان الله ) ثلاثة أوجه .

[ ص: 61 ] أحدها : أنه مفعول له ، أي لم نكتبها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله . وهذا فاسد . فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه . كيف وقد أخبر : أنهم هم ابتدعوها . فهي مبتدعة غير مكتوبة . وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل المذكور معه . فيتحد السبب والغاية . نحو : قمت إكراما . فالقائم هو المكرم . وفعل الفاعل المعلل هاهنا هو الكتابة و " ابتغاء رضوان الله " فعلهم ، لا فعل الله . فلا يصلح أن يكون علة لفعل الله . لاختلاف الفاعل .

وقيل : بدل من مفعول " كتبناها " ؛ أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله .

وهو فاسد أيضا ؛ إذ ليس ابتغاء رضوان الله عين الرهبانية ، فتكون بدل الشيء من الشيء . ولا بعضها ، فتكون بدل بعض من كل . ولا أحدهما مشتمل على الآخر . فتكون بدل اشتمال . وليس بدل غلط .

فالصواب أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع . أي لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله . ودل على هذا قوله " ابتدعوها " ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية ، وأنه هو طلب الرضوان . ثم ذمهم بترك رعايتها ؛ إذ من التزم لله شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب لزمه رعايته وإتمامه . حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة حكمه بإتمامها . وجعلوا التزامها بالشروع كالتزامها بالنذر . كما قال أبو حنيفة و مالك و أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو إجماع - أو كالإجماع - في أحد النسكين .

قالوا : والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول . فكما يجب عليه ما التزمه بالنذر وفاء ، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما .

وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة .

والقصد : أن الله سبحانه وتعالى ذم من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق رعايتها ؛ فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله لعباده ، وأذن بها وحث عليها ؟ !

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث