الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
المبحث الثاني: أنواع الملكة الفقهية

إذا كان الاجتهاد مقاربا للملكة الفقهية فيمكن أن نستخلص [ ص: 62 ] أنواع الملكة الفقهية من خلال قراءة متأنية في طبقات المجتهدين ومراتبهم [1] . وفيما يلي بيان لتلك الأنواع.

أولا: ملكة تقرير القواعد الأصولية والاستنباط الفقهي المستقل

وهي تتحقق في الفقيه الذي يستقل بإدراك الأحكام الفقهية من الأدلة الشرعية من غير تقليد لغيره في الغالب، لا في الأصول ولا في الفروع، كعلماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط الفروع.. ويختص صاحب هـذه الملكة بالأمور التالية [2] :

1- كونه فقيه النفس، ليتسنى له استنباط الأحكام الشرعية.

2- التصرف في الأصول التي يبني عليها اجتهاداته الفقهية بتقرير قواعد للاستنباط خاصة به، فلا يقلد فيها غيره.

3- النظر في الآيات والأحاديث والآثار لاستنباط الأحكام للفروع الفقهية، ولو كان مسبوقا فيها، فينظر في الأدلة المتعارضة، [ ص: 63 ] ويختار بعضها على بعض، وينـبه على مـآخذ الأحكام في تلك الأدلة.

4- القدرة على استنباط الأحكام الفقهية للقضـايا المستجدة التي لم ينـزل فيها نص شرعي، فيقيس الأشبـاه بالأشـبـاه منها والنظائر بالنظائر.

5- القدرة على إنزال الأحكام المجردة في النصوص الشرعية على الوقائع الحياتية التي تحدث للناس، وهو يتطلب دراسة الواقعة المعروضة دراسة وافية تشتمل على تحليل دقيق لعناصرها وظروفها وملابساتها، زمانا ومكانا، كما يتطلب النظر في مآلات الأفعال المتوقعة; لأن النظر إلى نتائج التطبيق ومآلاته أصل معتبر مقصود شرعا كما قرر الإمام الشاطبي [3] .

ثانيا: ملكة الاستنباط الفقهي المبني على أصول الغير

وهي تتحقق في الفقيه القادر على استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية بناء على قواعد الاستنباط التي قررها إمامه. وقد تكون اجتهاداته موافقة لاجتهادات إمامه، وقد تكون مخالفة لها، ومن [ ص: 64 ] هـؤلاء الفقهاء: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري (182هـ) ، وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) من الحنفية ، وعبد الرحمن بن القاسم (126هـ) ، وأشهب بن عبد العزيز القيسي العامري (204هـ) من المالكية ، وإسماعيل بن يحيى المزني (264هـ) ، والربيع بن سليـمان المرادي (270هـ) من الشافعية ، وأبو بكر أحمد بن محمد الخلال (311هـ) من الحنابلة .

ويختص صاحب هـذه الملكة بالأمور التالية:

1- كونه فقيه النفس.

2- القدرة على النظر في كتاب الله والسنة والإجماع والقياس.

3- القدرة على استنباط الأحكام للمستجدات الفقهية.

4- اتباع إمامه في الأصول.

5- التمكن من تنزيل الأحكام على الواقع.

ثالثا: ملكة التخريج الفقهي

وهي تتحقـق في الفقيه المتمكن من تخريج الوجوه الفقهية على قواعد إمامه الكلية ونصوصه الفرعية.. فهو متمكن من إلحاق الفروع بالقواعد الكلية، وإلحاق الشبيـه بالشبـيه من الفروع، [ ص: 65 ] والتمييز بين المتشابهات بإبداء الفروق والموانع. وهو يحيط بقواعد الاستنباط في المذهب، ويعرف تقييدات مطلقات المذهب، ومخصصات عمومه، ويدرك مآخذ الأحكام التي نص عليها الإمام، ويعرف عللها ومعانيها.

ومن هـؤلاء الفقهاء: الحسن بن زياد اللؤلؤي (ت 204هـ) من الحنفية ، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (ابن أبي زيد) القيرواني المالكي (386هـ) ، ومحمد بن نصر المروزي (294هـ) الشافعي، والقاضي أبو يعلى محمد بن الحسين (458هـ) الحنبلي.

ويختص صاحب هـذه الملكة بالأمور التالية:

1- كونه فقيه النفس.

2- القدرة على معرفة أدلة الأحكام التي نص عليها الإمام، ومعرفة تقييدات مطلقاتها، ومخصصات عمومياتها، ومآخذ الأحكام وعللها ومعانيها ومقاصدها.

3- القدرة على تخريج الأحكام على قواعد الإمام وفروعه.

4- معرفة أصول الاستنباط في المذهب.

5- حفظ أقوال الإمام وأصحابه. [ ص: 66 ]

رابعا: ملكة الترجيح في المذهب

وهي تتحقق في الفقيه المتمكن من الترجيح بين أقوال الإمام وبعض أصحابه، فيقررها ويرجح قولا على قول آخر، ويميز أصح الأقوال من غيرها ويرتبها، ويحررها، ويكتب المؤلفات والتصانيف فيها، ويستند في ذلك إلى معرفة أدلة الأحكام ومرجحاتها، وأصول الإمام، ومعرفة علل الأحكام المنصوص عليها في المذهب ومآخذها.

ومن هـؤلاء الفقهاء: أبو الحسن بن أبي بكر القدوري (428هـ) من الحنـفـية ، وأبو الوليد محمد بن رشد القـرطبي ، الجـد (ت 520هـ) من المالكية ، وإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (478هـ) من الشافعية ، وعمر بن الحسين الخرقي (334هـ) من الحنابلة .

ويختص صاحب هـذه الملكة بالأمور التالية:

1- كونه فقيه النفس.

2- حفظ أقوال الإمام وأصحابه.

3- الإلمام بقواعد الاستنباط في المذهب.

4- إدراك علل الأحكام ومآخذها.

5- القدرة على الترجيح بين الأقوال في المذهب. [ ص: 67 ]

خامسا: ملكة استحضار المذهب (القول المعتمد)

وهي تتحقق في الفقيه بالتمكن من حفظ الأقوال المعتمدة في المذهب، وذلك بفهم واضحات المسائل ومشكلاتها، ومعرفة تقييدات المطلقات، ومخصصات عمومات الأحكام، ولكنه لم يدرك مدارك إمام المذهب ومستنداته في فروعه الفقهية إدراكا متقنا، بل سمعها من حيث الجملة من غيره من الفقهاء.

فإذا عرضت له واقعة لا يوجد فيها نص، لا يستطيع أن يخرجها على نصوص إمامه إلا إذا كانت واضحة الشبه بالمسألة المنصوص عليها، بحـيث يدرك وجه الشبـه بالبـداهة من غير جهد، وذلك لأن إدراك الشبه الخفي يحتاج إلى الإحاطة بمدارك إمام المذهب ومآخذ الأحكام.

ومن هـؤلاء الفقهاء: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (710هـ) الحنفي صاحب كنز الدقائق، وخليل بن إسحق (776هـ) المالكي صاحب مختصر خليل، وإبراهيم بن يوسف الشيرازي (467هـ) الشافعي، صاحب المهذب، وموسى بن أحمد المقدسي الحجاوي (968هـ) الحنبلي صاحب الإقناع. [ ص: 68 ]

ويختص صاحب هـذه الملكة بالأمور التالية:

1- كونه فقيه النفس.

2- حفظ المعتمد في المذهب وعدم نقل الأقوال المردودة.

3- معرفة تقييدات المطلقات وتخصيص العمومات.

4- تصنيف الكتب التي تعبر عن المذهب وصياغتها صياغة علمية.

سادسا: ملكة الترجيح بين المذاهب

وهي تتحقق في الفقيه الذي يتمكن من دراسة آراء الفقهاء في المذاهب المختلفة دراسة مقارنة، بحيث يصور المسألة تصويرا دقيقا، ويعرض آراء المذاهب عرضا صحيحا، بحيث يعتمد في تقريرها على الكتب المعتمدة في كل مذهب، ويبين أسباب اختلاف الفقهاء فيها، ويذكر الأدلة التي استند إليها كل مذهب، ثم يقوم بتمحيصها وعركها سندا ومتنا ودلالة، ويقارن بعضها ببعض، بهدف الوصول إلى الرأي الذي تقويه الأدلة.

وممن قام بهذا العمل من الفقهاء: محمد بن جرير الطبري (310هـ) في كتاب اختلاف الفقهاء، وأبو عبد الله محمد بن نصر المروزي (294هـ) في كتاب اختلاف العلماء، وأبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر (318هـ) في كتاب الإشراف على مذاهب العلماء، والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، وأبو الحسن علي [ ص: 69 ] ابن محمد المـاوردي (450هـ) في الحاوي الكبير، وأبو محـمد عبد الله بن أحمد بن قدامة (620هـ) في كتاب المغني، وغير ذلك.

ويختص صاحب هـذه الملكة بالأمور التالية:

1- فقيه النفس.

2- القدرة على تمحيص الأدلة، سندا ومتنا ودلالة.

3- معرفة أسباب اختلاف الفقهاء.

4- الأمانة العلمية، بحيث ينقل الآراء الفقهية من الكتب المعتمدة في كل مذهب.

5- معرفة تقييدات المطلقات ومخصصات العمومات في جميع المذاهب.

6- معرفة وجوه الترجيح في أصول الفقه.

7- الموضوعية، بحيث يبحث في المسائل الفقهية دون أن يتعصب لرأي من الآراء.

التالي السابق


الخدمات العلمية