الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا ريب فيه

( لا ريب فيه )

قوله تعالى : ( لا ريب فيه ) فيه مسألتان :

المسألة الأولى : الريب قريب من الشك ، وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء ، تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوءا ، ومنها قوله عليه السلام : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " فإن قيل : قد يستعمل الريب في قولهم : " ريب الدهر " و " ريب الزمان " أي حوادثه قال الله تعالى : ( نتربص به ريب المنون ) [الطور : 30] ويستعمل أيضا في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر :


قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا



قلنا : هذان قد يرجعان إلى معنى الشك ، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل ، فهو كالمشكوك فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى : ( لا ريب فيه ) المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في كونه من عند الله ، ولا في كونه معجزا . ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزا على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) [البقرة : 23] وههنا سؤالات :

السؤال الأول : طعن بعض الملحدة فيه فقال : إن عنى أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه ، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه . الجواب : المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه .

السؤال الثاني : لم قال ههنا : ( لا ريب فيه ) وفي موضع آخر ( لا فيها غول ) [الصافات : 47] ؟ الجواب : لأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ولو قلت : لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتابا آخر حصل الريب فيه لا ههنا ، كما قصد في قوله : ( لا فيها غول ) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا .

السؤال الثالث : من أين يدل قوله : ( لا ريب فيه ) على نفي الريب بالكلية ؟ الجواب : قرأ أبو الشعثاء ( لا ريب فيه ) بالرفع . واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية ، والدليل عليه أن قوله : ( لا ريب ) نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد من [ ص: 19 ] أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك يناقض نفي الماهية ، ولهذا السر كان قولنا : " لا إله إلا الله " نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى . وأما قولنا : " لا ريب فيه " بالرفع فهو نقيض لقولنا : " ريب فيه " وهو يفيد ثبوت فرد واحد ، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض .

الوقف على " فيه " :

المسألة الثانية : الوقف على ( فيه ) هو المشهور ، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على ( لا ريب ) ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا ، ونظيره قوله : ( قالوا لا ضير ) [الشعراء : 50] وقول العرب : لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز ؛ والتقدير : ( لا ريب فيه فيه هدى ) . واعلم أن القراءة الأولى أولى ؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى ، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى ، بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث