الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 718 ] وقعة قازان

لما وصل السلطان إلى وادي الخزندار عند وادي سلمية ، التقى التتار هناك يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول ، فالتقوا معهم ، فكسروا المسلمين ، وولى السلطان هاربا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقتل جماعة من الأمراء وغيرهم ومن العوام خلق كثير ، وفقد في المعركة قاضي الحنفية حسام الرازي ، وقد صبروا وأبلوا بلاء حسنا ، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا ، فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد ، ثم كانت العاقبة بعد ذلك للمتقين ، غير أنه رجعت العساكر على أعقابها إلى الديار المصرية ، واجتاز كثير منهم على دمشق ، وأهلها في خوف شديد على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم ، ثم إنهم استكانوا واستسلموا للقضاء والقدر ، وماذا يجدي الحذر إذا نزل القدر ، ورجع السلطان في طائفة من الجيش على ناحية بعلبك ، وأبواب دمشق مغلقة ، والقلعة محصنة ، والغلاء شديد ، والحال ضيق ، وفرج الله قريب ، وقد هرب جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى الديار المصرية ، كالقاضي إمام الدين الشافعي ، وقاضي المالكية جمال الدين الزواوي ، وتاج الدين بن الشيرازي ، وعلم الدين الصوابي والي البر ، وجمال الدين بن النحاس والي المدينة ، والمحتسب وغيرهم من التجار والعوام ، وبقي البلد شاغرا ليس فيه [ ص: 719 ] حاكم ولا زاجر ولا رادع سوى نائب القلعة علم الدين أرجواش ، وهو مشغول عن البلد بالقلعة .

وفي ليلة الأحد ثاني ربيع الآخر كسر المحبوسون بحبس باب الصغير باب السجن وخرجوا منه قريبا من مائتي رجل ، فنهبوا ما قدروا عليه ، وجاءوا إلى باب الجابية ، فكسروا أقفال الباب الجواني وأخذوا من الباشورة ما شاءوا ، ثم كسروا أقفال الباب البراني ، وخرجوا منه على حمية ، فتفرقوا حيث شاءوا لا يقدر أحد على ردهم ولا صدهم ، وعاثت الحرافشة في ظاهر البلد ، فكسروا أبواب البساتين ، وقلعوا من الأبواب والشبابيك وغير ذلك شيئا كثيرا ، وباعوه بأرخص الأثمان .

هذا وسلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة ، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين ابن تيمية في مشهد علي ، واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقيه ، وأخذ الأمان منه لأهل دمشق ، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر ، فاجتمعوا به عند النبك ، وكلمه الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلاما قويا شديدا ، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين ، ولله الحمد . ودخل المسلمون ليلتئذ من جهة قازان ، فنزلوا الباذرائية ، وغلقت أبواب البلد سوى باب توما ، وخطب الخطيب يوم الجمعة بالجامع ، ولم يذكر سلطانا في خطبته ، وبعد الصلاة قدم الأمير إسماعيل ومعه جماعة من الرسل ، فنزلوا ببستان الظاهر عند [ ص: 720 ] الطرن . وحضر الفرمان بالأمان ، وطيف به في البلد وقرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة ، ونثر شيء من الذهب والفضة . وفي اليوم الثالث من المناداة بالأمان طلبت الخيول والسلاح والأموال المخبأة عند الناس من جهة الدولة ، وجلس ديوان الاستخلاص إذ ذاك بالمدرسة القيمرية ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وفي يوم الاثنين عاشر الشهر قدم الأمير سيف الدين قبجق المنصوري ، فنزل بالميدان ، واقترب جيش التتار ، وكثر العيث في ظاهر البلد ، وقتل جماعة ، وغلت الأسعار بالبلد جدا ، وضاق الحال عليهم ، وأرسل قبجق إلى نائب القلعة ليسلمها إلى التتار ، فامتنع أرجواش من ذلك أشد الامتناع ، فجمع له قبجق أعيان البلد ، فكلموه أيضا ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وصمم على ترك تسليمها إليهم وفيها عين تطرف ، فإن الشيخ تقي الدين ابن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك ، فاشتد عزمه على ذلك ، وقال له : لو لم يبق فيها إلا حجر واحد ، فلا تسلمهم ذلك إن استطعت . وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام ، فإن الله تعالى حفظ لهم هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لأهل الشام التي لا تزال دار أمان وسنة ، حتى ينزل بها عيسى ابن مريم ، عليه السلام .

وفي يوم دخول قبجق إلى دمشق دخل السلطان ونائبه سلار إلى مصر كما جاءت البطائق بذلك إلى القلعة ، ودقت البشائر بها ، فقوي جأش الناس بعض الشيء ، ولكن الأمر كما يقال :

[ ص: 721 ]

كيف السبيل إلى سعاد ودونها قلل الجبال ودونهن حتوف     الرجل حافية وما لي مركب
والكف صفر والطريق مخوف

وفي يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر خطب لقازان على منبر دمشق بحضور المغول بالمقصورة ، ودعي له على السدة بعد الصلاة ، وقرئ عليها مرسوم بنيابة قبجق على الشام ، وذهب إليه الأعيان فهنئوه بذلك ، فأظهر الكرامة ، وأنه في تعب عظيم مع التتار ، ثم شرع في طلب الخيول التي عند الناس والأموال لأجل النفقة على التتار ، ونزل شيخ المشايخ نظام الدين محمود بن علي الشيباني بالمدرسة العادلية الكبيرة .

وفي يوم السبت النصف من ربيع الآخر شرعت التتار وصاحب سيس في نهب الصالحية ، فوجدوا فيها شيئا كثيرا من الغلات ، وقلعوا الأبواب والشبابيك ، وخربوا أماكن كثيرة ; كالرباط الناصري وغيره من الأماكن الحسنة والمارستان بالصالحية ومسجد الأسدية ومسجد خاتون ودار الحديث الأشرفية بها ، واحترق جامع التوبة بالعقيبة ، وكان هذا من جهة الكرج والأرمن من النصارى الذين هم مع التتار ، قبحهم الله تعالى ، وسبوا من أهلها خلقا كثيرا وجما غفيرا ، ولجأ أكثر الناس إلى رباط الحنابلة ، فاحتاط به التتار ، فحماه منهم شيخ الشيوخ المذكور ، وأعطي في الساكن مال له صورة ، ثم قحموا عليه ، فسبوا منه خلقا كثيرا من بنات المشايخ وأولادهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

[ ص: 722 ] ولما نكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الأولى قتلوا خلقا من الرجال ، وسبوا من النساء كثيرا ، ونال قاضي القضاة تقي الدين منهم أذى كثير ، يقال : إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبا من أربعمائة ، وأسروا نحوا من أربعة آلاف أسير ، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري والضيائية ، وخزانة ابن البزوري ، فكانت تباع وهي مكتوب عليها الوقفية ، وفعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية ، وكذلك بداريا وغيرها ، وتحصن الناس منهم في الجامع بداريا ، ففتحوه قسرا ، وقتلوا منهم خلقا ، وسبوا نساءهم وأولادهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية في جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى ملك التتار ، وعاد بعد يومين ، ولم يتفق اجتماعه بقازان ، حجبه عنه الوزير سعد الدين والرشيد مشير الدولة المسلماني بن يهودى ، والتزما له بقضاء الشغل ، وذكرا له أن التتار لم يحصل لكثير منهم شيء إلى الآن ، ولا بد لهم من شيء .

واشتهر بالبلد أن التتر يريدون دخول دمشق ، فانزعج الناس لذلك ، وخافوا خوفا شديدا ، وأرادوا الخروج منها والهرب ، وأين ؟ ولات حين مناص ! وقد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس ، ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل الأسواق ، كل سوق بحسبه من المال ، فلا حول ولا قوة إلا [ ص: 723 ] بالله . وشرع التتر في عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها القلعة من الصحن ، وغلقت أبوابه ، ونزل التتر في مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق ، وينهبون ما حوله من الأسواق ، وأحرق أرجواش ما حول القلعة من الأبنية; كدار الحديث الأشرفية وغير ذلك ، إلى حد العادلية الكبيرة ودار السعادة; لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها ، ولزم الناس منازلهم لئلا يسخروا في طم الخندق ، وكانت الطرقات لا يرى بها أحد إلا القليل ، والجامع لا يصلي فيه أحد إلا اليسير ، ويوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف الأول وما بعده إلا بجهد جهيد ، ومن خرج من منزله في ضرورته يخرج بثياب زيهم ، ثم يعود سريعا ، ويظن أنه لا يعود إلى أهله ، وأهل البلد قد أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

والمصادرات والتراسيم والعقوبات عمالة في أكابر أهل البلد ليلا ونهارا ، حتى أخذ منهم شيء كثير من الأموال والأوقاف ، كالجامع وغيره ، ثم جاء مرسوم بصيانة الجامع وتوفير أوقافه وصرف ما كان يؤخذ لخزائن السلاح إلى الحجاز ، وقرئ ذلك المرسوم بعد صلاة الجمعة بالجامع في تاسع عشر جمادى الأولى . وفي ذلك اليوم توجه السلطان قازان إلى بلاده ، وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل ، نحو بلاد العراق ، وجاء كتابه : إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل ، ومن عزمنا العود إليها في زمن الخريف ، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها . وقد أعجزتهم القلعة أن يصلوا إلى حجر منها ، ولله الحمد ، وخرج الأمير سيف الدين قبجق لتوديع قطلوشاه نائب [ ص: 724 ] قازان ، وسار وراءه ، وضربت البشائر بالقلعة فرحا لرحيلهم ، ولم تفتح القلعة ، وأرسل أرجواش ثاني يوم من خروج قبجق لتوديع قطلوشاه - القلعية إلى الجامع ، فكسروا أخشاب المنجنيقات المنصوبة به ، وعادوا إلى القلعة سريعا سالمين آمنين ، واستصحبوا معهم جماعة ممن كانوا يلوذون بالتتار قهرا إلى القلعة ، منهم الشريف القمي ، وهو شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم المرتضى العلوي ، وجاءت الرسل من قبجق إلى دمشق فنادوا بها : طيبوا قلوبكم ، وافتحوا دكاكينكم ، وتهيئوا غدا لتلقي سلطان الشام سيف الدين قبجق . فخرج الناس إلى أماكنهم ، فأشرفوا عليها ، فرأوا ما بها من الفساد والدمار ، وانفك رؤساء البلد من التراسيم بعدما وزنوا شيئا كثيرا .

وقال الشيخ علم الدين البرزالي : ذكر لي الشيخ وجيه الدين بن المنجا أنه حمل إلى خزانة قازان ثلاثة آلاف وستمائة ألف درهم ، سوى ما تمحق من التراسيم والبراطيل ، وما أخذ غيره من الأمراء والوزراء ، وأن شيخ المشايخ حصل له نحو من ستمائة ألف درهم ، والأصيل بن النصير الطوسي مائتا ألف والصفي السنجاوي ثمانون ألفا ، وعاد الأمير سيف الدين قبجق إلى دمشق يوم الخميس بعد الظهر الخامس والعشرين من جمادى [ ص: 725 ] الأولى ، ومعه الألبكي وجماعة ، وبين يديه السيوف مسللة ، وعلى رأسه عصابة ، فنزل بالقصر ، ونودي بالبلد : إن نائبكم سيف الدين قبجق قد جاء فافتحوا دكاكينكم ، واعملوا معاشكم ، ولا يغرر أحد بنفسه . هذا والأسعار في غاية الغلاء والقلة ، قد بلغت الغرارة إلى أربعمائة ، واللحم الرطل بنحو العشرة ، والخبز كل رطل بدرهمين ونصف ، والعشرة الدقيق بنحو الأربعين ، والجبن الأوقية بدرهم ، والبيض كل خمسة بدرهم ، ثم فرج عنهم في أواخر الشهر ، ولما كان في أواخر الشهر نادى قبجق بالبلد أن يخرج الناس إلى قراهم ، وأمر جماعة ، وانضاف إليه خلق من الأجناد ، وكثرت الأراجيف على بابه ، وعظم شأنه ، ودقت البشائر بالقلعة وعلى باب قبجق يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة ، وركب قبجق بالعصائب في البلد ، والشاويشية بين يديه ، وجهز نحوا من ألف فارس نحو خربة اللصوص ، ومشى مشي الملوك في الولايات وتأمير الأمراء والمراسيم العالية النافذة ، وصار كما قال الشاعر :


يا لك من قنبرة بمعمر     خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري

ثم إنه ضمن الخمارات ومواضع الزنا من الحانات وغيرها ، وجعلت دار ابن جرادة خارج باب توما خمارة وحانة أيضا ، وصار له على ذلك في كل يوم ألف درهم . وهي التي دمرته ، ومحقت آثاره ، وأخذ أموالا [ ص: 726 ] أخر من أوقاف المدارس وغيرها ، ورجع بولاي من جهة الأغوار ، وقد عاث في الأرض فسادا ، ونهب البلاد وسبى وخرب ، ومعه طائفة كبيرة من التتر ، وقد خربوا قرى كثيرة ، وقتلوا من أهلها خلقا ، وأسروا من أطفالها جماعات ، وجبي لبولاي من دمشق أيضا جباية أخرى ، وخرج طائفة من القلعة ، فقتلوا طائفة من التتر ونهبوهم ، وقتل جماعة من المسلمين في غبون ذلك ، وأخذوا طائفة ممن كان يلوذ بالتتر ، ورسم قبجق لخطيب البلد وجماعة من الأعيان أن يدخلوا القلعة ، فيتكلموا مع نائبها في المصالحة ، فدخلوا عليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة ، فكلموه وبالغوا معه ، فلم يجب إلى ذلك وقد أجاد وأحسن .

وفي ثاني رجب طلب قبجق القضاة والأعيان ، فحلفهم على المناصحة للدولة المحمودية - يعني قازان - فحلفوا له . وفي هذا اليوم خرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مخيم بولاي ، فاجتمع به في فكاك من معه من أسارى المسلمين ، فاستنقذ كثيرا منهم من أيديهم ، وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد ، ثم راح إليه جماعة من أعيان دمشق ، ثم عادوا من عنده ، فشلحوا عند باب شرقي ، وأخذت ثيابهم وعمائمهم ، ورجعوا في شر حالة ، ثم بعث في طلبهم ، فاختفى أكثرهم ، وتغيبوا عنه ، ونودي بالجامع بعد الصلاة ثالث رجب من جهة نائب القلعة بأن العساكر المصرية قادمة إلى الشام ، وفي عشية يوم السبت رحل بولاي وأصحابه من التتر ، وانشمروا عن دمشق ، وقد أراح الله منهم ، وساروا من على [ ص: 727 ] عقبة دمر ، فعاثوا في تلك النواحي فسادا ، ولم يأت سابع الشهر وفي حواشي البلد منهم أحد ، وقد أزاح الله عز وجل شرهم عن العباد والبلاد ، ونادى قبجق في الناس : قد أمنت الطرقات ، ولم يبق بالشام من التتر أحد . وصلى قبجق يوم الجمعة عاشر رجب بالمقصورة ، ومعه جماعة من أصحابه ، عليهم لأمة الحرب من السيوف والقسي والتراكيش فيها النشاب ، وأمنت البلد ونواحيها ، وخرج الناس للفرجة في غياض السفرجل على عادتهم ، فعاثت عليهم طائفة من التتار ، فلما رأوهم رجعوا إلى البلد هاربين مسرعين ، ونهب بعض الناس بعضا ، ومنهم من ألقى نفسه في النهر ، وإنما كانت تلك الطائفة مجتازين ليس لهم قرار ، وتقلق قبجق من البلد ، ثم إنه خرج منها في جماعة من رؤسائها - منهم عز الدين بن القلانسي - لتلقي الجيش المصري ، وذلك أنهم خرجوا إلى الشام في تاسع رجب وجاءت البريدية بذلك ، ولله الحمد والمنة ، وبقي البلد ليس به أحد ، ونادى أرجواش في البلد أن احفظوا الأسوار ، وأخرجوا ما كان عندكم من الأسلحة ، ولا تهملوا الأسوار والأبواب ، ولا يبيتن أحد إلا على السور ، ومن بات في داره شنق . فاجتمع الناس على الأسوار لحفظ البلد ، وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يدور كل ليلة فوق الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال ، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط .

وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بجامع دمشق لصاحب مصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، ففرح الناس بذلك ، وكان يخطب لقازان بدمشق وغيرها من بلاد الشام مائة يوم سواء . وفي بكرة يوم الجمعة [ ص: 728 ] المذكور دار الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، رحمه الله ، وأصحابه على الخمارات والحانات ، فكسروا آنية الخمور ، وشقوا الظروف ، وأراقوا الخمور ، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش ، ففرح الناس بذلك ، ونودي يوم السبت ثامن عشر رجب بأن تزين البلد لقدوم العساكر المصرية ، وفتح باب الفرج مضافا إلى باب النصر يوم الأحد تاسع عشر رجب ، ففرح الناس بذلك وانفرجوا; لأنهم لم يكونوا يدخلون إلا من باب النصر ، وقدم الجيش الشامي صحبة نائب دمشق جمال الدين آقوش الأفرم إلى دمشق يوم السبت عاشر شعبان ، وثاني يوم دخل بقية العساكر ، وفيهم الأميران شمس الدين قراسنقر المنصوري وسيف الدين قطلبك في تجمل .

وفي هذا اليوم فتح باب الفراديس . وفيه درس القاضي جلال الدين القزويني بالمدرسة الأمينية عوضا عن أخيه قاضي القضاة إمام الدين ، توفي بالديار المصرية ، كما سيأتي بيانه .

وفي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء تكامل دخول العساكر المصرية صحبة نائب مصر سيف الدين سلار ، وفي خدمته الملك العادل كتبغا ، وسيف الدين الطباخي في تجمل باهر ، ونزلوا بالمرج ، وكان السلطان قد خرج عازما على المجيء ، فوصل إلى الصالحية ، ثم عاد إلى مصر .

وفي يوم الخميس النصف من شعبان أعيد القاضي بدر الدين بن جماعة إلى [ ص: 729 ] قضاء القضاة بدمشق مع الخطابة بعد إمام الدين ولبس الخلعة ولبس معه في هذا اليوم أمين الدين العجمي خلعة الحسبة ، وفي يوم السبت سابع عشرة لبس خلعة نظر الدواوين الصدر تاج الدين بن الشيرازي عوضا عن فخر الدين بن الشيرجي ، ولبس أقجبا خلعة شد الدواوين في باب الوزير شمس الدين سنقر الأعسر ، وباشر الأمير عز الدين أيبك الدوادار النجيبي ولاية البر بعد ما جعل من أمراء الطبلخاناه .

ودرس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بأم الصالح عوضا عن جلال الدين القزويني يوم الأحد الحادي والعشرين من شعبان ، وفي هذا اليوم ولي قضاء الحنفية شمس الدين بن الصفي الحريري ، عوضا عن حسام الدين الرازي ، فقد يوم المعركة ، وجاء بعد ذلك تدريس الخاتونية عوضا عن حسام الدين الرازي في ثاني رمضان ، ورفعت الستائر عن القلعة في ثالث رمضان .

وفي مستهل رمضان جلس الأمير سيف الدين سلار بدار العدل في الميدان الأخضر ، وعنده القضاة والأمراء يوم السبت ، وفي السبت الآخر خلع على عز الدين بن القلانسي خلعة سنية ، وجعل ولده عماد الدين عبد العزيز شاهدا في الخزانة . وفي هذا اليوم رجع سلار بالعساكر إلى مصر ، وانصرفت العساكر الشامية إلى مواضعها وبلدانها .

وفي يوم الاثنين عاشر رمضان درس صدر الدين علي بن الصفي بن أبي القاسم البصراوي الحنفي بالمدرسة المقدمية .

[ ص: 730 ] وفي شوال منها عرفت جماعة ممن كان يلوذ بالتتر ويؤذي المسلمين ، فشنق منهم طائفة ، وسمر آخرون ، وكحل بعضهم ، وقطعت ألسن ، وجرت أمور كثيرة .

وفي منتصف شوال درس بالدولعية قاضي القضاة جمال الدين الزرعي نائب الحكم عوضا عن جمال الدين بن الباجربقي .

وفي يوم السبت العشرين من شوال ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان ، وخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية ومعه خلق كثير من المطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية ، بسبب فساد دينهم وعقائدهم ، وكفرهم وضلالهم ، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا; حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم ، وأخذوا أسلحتهم وخيولهم ، وقتلوا كثيرا منهم ، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، فاستتابهم ، وبين لكثير منهم الصواب ، وحصل بذلك خير كثير ، وانتصار كبير على أولئك المفسدين ، والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش ، وقرر عليهم أموالا كثيرة يحملونها إلى بيت المال ، وأقطعت أراضيهم وضياعهم ، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند ولا يلتزمون أحكام الملة ، ولا يدينون دين الحق ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله . وعاد نائب السلطنة يوم الأحد ثالث عشر ذي القعدة ، وتلقاه الناس بالشموع إلى طريق بعلبك وسط النهار .

وفي يوم الأربعاء سادس عشره نودي بالبلد أن يعلق الناس الأسلحة بالدكاكين ، وأن يتعلم الناس الرمي ، فعملت الآماجات في أماكن كثيرة من [ ص: 731 ] البلد ، وعلقت الأسلحة بالأسواق ، ورسم قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بعمل الآماجات في المدارس ، وأن يتعلم الفقهاء الرمي ، ويستعدوا لقتال العدو إن حضر ، وبالله المستعان .

وفي الحادي والعشرين من ذي القعدة استعرض نائب السلطنة أهل الأسواق بين يديه ، وجعل على كل سوق مقدما ، وحوله أهل سوقه ، وفي الخميس الرابع والعشرين عرضت الأشراف مع نقيبهم نظام الملك الحسيني بالعدد والتجمل الحسن ، وكان يوما مشهودا .

ومما كان من الحوادث في هذه السنة أنه جدد إمام راتب عند رأس قبر زكريا ، وهو الفقيه شرف الدين أبو بكر الحموي ، وحضر عنده ظهر يوم عاشوراء القاضي إمام الدين الشافعي ، وحسام الدين الحنفي وجماعة ، ولم تطل مدته إلا شهورا ، ثم عاد الحموي إلى بلده ، وبطلت هذه الوظيفة إلى الآن ، ولله الحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث