الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هدى للمتقين

هدى للمتقين

قوله تعالى : ( هدى للمتقين ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : في حقيقة الهدى : الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب الكشاف : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء والعلم . والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال ، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى : ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) [فصلت : 17] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء ، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال : هديته فلم يهتد ، وذلك يدل على قولنا ، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة :

أولها : وقوع الضلالة في مقابلة الهدى ، قال تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) [البقرة : 16] وقال : ( لعلى هدى أو في ضلال مبين ) [سبأ : 24] .

وثانيها : يقول مهدي في موضع المدح كمهتد ، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا ؛ لاحتمال أنه هدي فلم يهتد .

وثالثها : أن اهتدى مطاوع هدى ، يقال : هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته فانكسر ، وقطعته فانقطع ، فكما أن الانكسار والانقطاع لازمان للكسر والقطع ، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى .

والجواب عن الأول : أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الضلال ، ومقابل الاهتداء هو الإضلال ، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع .

وعن الثاني : أن المنتفع بالهدى سمي مهديا ، وغير المنتفع به لا يسمى مهديا ؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم .

وعن الثالث : أن الائتمار مطاوع الأمر ، يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمرا حصول الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضيا إلى الاهتداء ، على أنه معارض بقوله : هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال : الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم .

[ ص: 20 ] المسألة الثانية : المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط الصيانة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى ذكر المتقي ههنا في معرض المدح ، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقيا في أمور الدنيا ، بل بأن يكون متقيا فيما يتصل بالدين ، وذلك بأن يكون آتيا بالعبادات محترزا عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد ، وقال آخرون : لا يدخل ، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم ؟ فروي عنه - عليه السلام - أنه قال : " لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس " وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه . واعلم أن التقوى هي الخشية ، قال في أول النساء : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم ) [النساء : 1] ومثله في أول الحج ، وفي الشعراء : ( إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون ) [هود : 106] يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قال هود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه : ( اعبدوا الله واتقوه ) [نوح : 3] يعني اخشوه ، وكذا قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) [آل عمران : 102] ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) [البقرة : 197] ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) [البقرة : 48] واعلم أن حقيقة التقوى ، وإن كانت هي التي ذكرناها ، إلا أنها قد جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة أخرى ، والطاعة ثالثة ، وترك المعصية رابعا ، والإخلاص خامسا ، أما الإيمان فقوله تعالى : ( وألزمهم كلمة التقوى ) [الفتح : 26] أي التوحيد ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) [الحجرات : 3] وفي الشعراء ( قوم فرعون ألا يتقون ) [الشعراء : 11] أي ألا يؤمنون ، وأما التوبة فقوله : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ) [الأعراف : 96] أي تابوا ، وأما الطاعة فقوله في النحل : ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) [النحل : 2] وفيه أيضا : ( أفغير الله تتقون ) [النحل : 52] وفي المؤمنين ( وأنا ربكم فاتقون ) [المؤمنون : 52] وأما ترك المعصية فقوله : ( وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله ) [البقرة : 189] أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله في الحج : ( فإنها من تقوى القلوب ) [الحج : 32] أي من إخلاص القلوب ، فكذا قوله : ( وإياي فاتقون ) [البقرة : 41] واعلم أن مقام التقوى مقام شريف ، قال تعالى : ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) [النحل : 128] وقال : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13] وعن ابن عباس ، قال عليه السلام : " من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده " ، وقال علي بن أبي طالب : التقوى ترك الإصرار على المعصية ، وترك الاغترار بالطاعة . قال الحسن : التقوى أن لا تختار على الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله . وقال إبراهيم بن أدهم : التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا ، ولا الملائكة في أفعالك عيبا ، ولا ملك العرش في سرك عيبا ، وقال الواقدي : التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق ، ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال : المتقي من سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الإخلاص والوفا ، واجتنب الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى : ( هدى للمتقين ) كفاه ؛ لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ) [البقرة : 185] ثم قال ههنا في القرآن : إنه هدى للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن لا يكون متقيا كأنه ليس بإنسان .

[ ص: 21 ] المسألة الثالثة : في السؤالات : السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلا لا يختلف بحسب شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط ؟ وأيضا فالمتقي مهتد ، والمهتدي لا يهتدي ثانيا ، والقرآن لا يكون هدى للمتقين . الجواب : القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى دينه وصدق رسوله ، فهو أيضا دلالة للكافرين ، إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال : ( إنما أنت منذر من يخشاها ) [النازعات : 45] وقال : ( إنما تنذر من اتبع الذكر ) [يس : 11] وقد كان عليه السلام منذرا لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره ، وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه ؛ لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين . السؤال الثاني : كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير ؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ، ومن هذا نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج : لا تحتج عليهم بالقرآن ، فإنه خصم ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه ؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءا من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر ، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد ، فكيف يكون هدى ؟

الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين - وهو إما دلالة العقل أو دلالة السمع - صار كله هدى . السؤال الثالث : كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وفي معرفة النبوة ، ولا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب ، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله الله تعالى هدى على الإطلاق ؟

الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء ، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء ، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع ، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم ، فإن الله تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة ، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم .

السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، والقرآن ليس كذلك ، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالا كثيرة متعارضة ، وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه ، فضلا عن أن يكون مبينا لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة ، ولا يرجح واحدا منها على الباقي ، يتوجه عليه هو هذا السؤال ، وأما نحن فقد رجحنا واحدا على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال .

المسألة الرابعة : قال صاحب " الكشاف " : محل ( هدى للمتقين ) الرفع ؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع ( لا ريب فيه ) لـ ( ذلك ) ، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبرا عنه ، ويجوز أن ينصب على الحال ، [ ص: 22 ] والعامل فيه الإشارة ، أو الظرف ، والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحا ، وأن يقال : إن قوله : ( الم ) جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، و ( ذلك الكتاب ) جملة ثانية ، و ( لا ريب فيه ) ثالثة و ( هدى للمتقين ) رابعة ، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، والثانية متحدة بالأولى ، وهلم جرا إلى الثالثة ، والرابعة .

بيانه : أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال ، فكان تقرير الجهة التحدي ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث