الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم

[ ص: 92 ]

( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ) .

قوله تعالى : ( وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ) .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية ، وكمال القدرة والرحمة ، ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء ، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور هاهنا غير ما تقدم ذكره ، وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف .

فالطائفة الأولى : عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية ، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين .

والطائفة الثانية : من المشركين الذين يقولون : مدبر هذا العالم هو الكواكب ، وهؤلاء فريقان منهم من يقول : إنها واجبة الوجود لذاتها ، ومنهم من يقول : إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة ، وخالقها هو الله تعالى ، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها ، وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل - صلى الله عليه وسلم - ناظرهم بقوله : ( لا أحب الآفلين ) وشرح هذا الدليل قد مضى .

والطائفة الثالثة : من المشركين الذين قالوا : لجملة هذا العالم بما فيه من السماوات والأرضين إلهان : أحدهما فاعل الخير ، والثاني فاعل الشر ، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء ، فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد ، فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : قوله تعالى : ( وجعلوا لله شركاء الجن ) نزلت في الزنادقة الذين قالوا : إن الله وإبليس أخوان ؛ فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور .

واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية ، وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة ، قال ابن عباس : والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى : ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) [ الصافات : 158 ] وإنما وصف بكونه من الجن ؛ لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون ، فصارت كأنها مستترة من العيون ، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها ، وأقول : هذا مذهب المجوس ، وإنما قال ابن عباس : هذا قول الزنادقة ؛ لأن المجوس يلقبون بالزنادقة ؛ لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى بالزند ، والمنسوب إليه يسمى زندي . ثم عرب فقيل زنديق . ثم جمع فقيل زنادقة .

[ ص: 93 ] واعلم أن المجوس قالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان ، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بإبليس في شرعنا ، ثم اختلفوا ؛ فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة ، والأقلون منهم قالوا : إنه قديم أزلي ، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم ، فخيرات هذا العالم من الله تعالى ، وشروره من إبليس ؛ فهذا شرح ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - .

فإن قيل : فعلى هذا التقدير : القوم أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس ، فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء ؟

والجواب : أنهم يقولون : عسكر الله هم الملائكة ، وعسكر إبليس هم الشياطين ، والملائكة فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدسة ، وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات . والشياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة ، وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية ، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين ، فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن ؛ فهذا تفصيل هذا القول .

إذا عرفت هذا فنقول : قوله : ( وخلقهم ) إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكا لله تعالى في ملكه ، وتقريره من وجهين :

الأول : أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث .

إذا ثبت هذا فنقول : إن كل محدث فله خالق وموجد ، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى ، فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى ، ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى ، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد ، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين ، يكون أحدهما فاعلا للخيرات ، والثاني يكون فاعلا للشرور ؛ لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق ، لهذا الذي هو الشر الأعظم فقوله تعالى : ( وخلقهم ) إشارة إلى أنه تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس ، وإذا كان خالقا لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلا لأعظم الشرور ، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم : لا بد للخيرات من إله ، وللشرور من إله آخر .

والوجه الثاني : في استنباط الحجة من قوله : ( وخلقهم ) ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب " الأربعين في أصول الدين " أن ما سوى الواحد ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محدث ، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث ، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث ، وحصول الوجود بعد العدم ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه ، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث