الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو

( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ) .

قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ) .

اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم ، وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله ، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه ، وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به ، ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات ، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير ، والضد والند ، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات ، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال : ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحدا ، فإنه هو المصلح لمهمات جميع العباد ، وهو الذي يسمع دعاءهم ، ويرى ذلهم وخضوعهم ، ويعلم حاجتهم ، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته ، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه ، وإظهار فساد الشرك ، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : " ذلكم " إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات ، وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة ، وهي : ( الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ) أي ذلك الجامع لهذه الصفات [ ص: 99 ] فاعبدوه ، على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ، ولا تعبدوا أحدا سواه .

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد ، ومحدث ، ومبدع ، ومدبر ، ولم يذكر دليلا منفصلا يدل على نفي الشركاء ، والأضداد والأنداد ، ثم إنه أتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكا ، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن ، ثم أبطله ، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى بالتوحيد المحض ، حيث قال : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ) وعند هذا يتوجه السؤال ، وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على وجود الخالق ، وتزييف دليل من أثبت لله شريكا ، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض ؟ فنقول : للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة ، ومن جملتها هذه الطريقة .

وتقريرها من وجوه :

الأول : قال المتقدمون : الصانع الواحد كاف ، وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافئ ، فوجب القول بالتوحيد ، أما قولنا : الصانع الواحد كاف ؛ فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات كاف في كونه إلها للعالم ، ومدبرا له ، وأما أن الزائد على الواحد ، فالقول فيه متكافئ ، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته ، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر ، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها ، وهو محال ، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد ، وهو أيضا محال ، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد .

الوجه الثاني في تقرير هذه الطريقة : أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم ، فلو قدرنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلا وموجودا لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون ، والأول باطل ؛ لأنه لما كان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر عن تحصيل مقدوره ، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر وهو محال ، وإن كان الثاني لا يفعل فعلا ولا يوجد شيئا كان ناقصا معطلا ، وذلك لا يصلح للإلهية .

والوجه الثالث : في تقرير هذه الطريقة أن نقول : إن هذا الإله الواحد لا بد وأن يكون كاملا في صفات الإلهية ، فلو فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركا للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون ، فإن كان مشاركا للأول في جميع صفات الكمال فلا بد وأن يكون متميزا عن الأول بأمر ما ، إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والاثنينية ، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون ، فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركا فيه بينهما ، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال ، فالموصوف به يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نقصان ، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد ، وأن الزائد يجب نفيه ؛ فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى هاهنا في تقرير التوحيد ، وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث