الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في المسابقة بالخيل وأنها معقود في نواصيها الخير وما يكره منها

جزء التالي صفحة
السابق

3477 (38) باب

في المسابقة بالخيل ، وأنها معقود

في نواصيها الخير ، وما يكره منها

[ 1336 ] عن ابن عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابق بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق بها.

وفي رواية : قال عبد الله : فجئت سابقا فطفف بي الفرس المسجد
.

رواه البخاري (2868)، ومسلم (1870)، وأبو داود (2575)، والترمذي (1699)، والنسائي ( 6 \ 226).

[ ص: 700 ]

التالي السابق


[ ص: 700 ] (38) ومن باب: المسابقة بالخيل

قوله : ( سابق بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء ) ; المسابقة مفاعلة ، ولا تكون إلا من اثنين ، وذلك : أن المتسابقين إذا جعلا غاية ، وقصدا نحوها ، فإن كل واحد منهما يسابق صاحبه إليها . وإضمار الخيل: هو أن تسمن وتصان ، ثم يقلل علفها ، ثم تجرى على التدريج ، وتجلل ليجف عرقها ، فتتصلب بفعل ذلك بها ، حتى يذهب لحمها ، وتبقى فيه القوة .

و ( الحفياء ) : موضع . و (الأمد) : الغاية . وبين الحفياء وثنية الوداع خمسة أميال أو ستة على ما قاله سفيان . وقال ابن عقبة : ستة أميال ، أو سبعة . وسميت ثنية الوداع بذلك : لأن الخارج منها يودع مشيعه عندها ، وهي التي قالت فيها نساء الأنصار فيما يحكى :


طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

يعنون بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- . وبين الثنية ومسجد بني زريق ميل واحد . و (زريق) بتقديم الزاي هو الصواب .

[ ص: 701 ] ولا خلاف في جواز تضمير الخيل والمسابقة بها على الجملة ، وكذلك الإبل ، وعلى الأقدام ، كما جرى في حديث سلمة بن الأكوع ، وكذلك المراماة بالسهام ، واستعمال الأسلحة ، ولا شك في جواز شيء من ذلك ; إذا لم يكن هنالك مراهنة ; لأن ذلك كله مما ينتفع به في الحروب ، ويحتاج إليه . إنما اختلفوا : هل ذلك من باب الندب ، أو من باب الإباحة إذا لم يحتج إلى ذلك ، فإن احتيج إلى شيء من ذلك كان حكمه بحسب الحاجة .

وأما المراهنة : فأجازها على الجملة مالك ، والشافعي في الخف والحافر ، والنصل ، وذلك على ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( لا سبق إلا في خف ، أو حافر ، أو نصل ) ، على أنه لا يروى هذا الحديث بإسناد صحيح ، وهو مع ذلك مشهور عند العلماء ، متداول بينهم . وقد منع بعض العلماء الرهان في كل شيء إلا في الخيل ; لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها . وروي عن عطاء : السبق في كل شيء جائز . وقد تؤول عليه ; لأن حمله على العموم في كل شيء يؤدي إلى إجازة القمار . وهو محرم باتفاق . ثم إن الذين أجازوا الرهان شرطوا فيها شروطا ، وذكروا لها صورا منها متفق على جوازها ، ومنها متفق على منعها ، ومنها مختلف فيها . فالمتفق عليها : أن يخرج الإمام أو غيره متطوعا سبقا ، ولا فرس له في الحلبة ، فمن سبق فله ذلك السبق . وأما المتفق على منعه : فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقا ، ويشترط أنه إن سبق أمسك سبقه ، وأخذ سبق صاحبه . فهذا قمار ، فلا يجوز باتفاق ; إذا لم يكن بينهما محلل . فإن أدخلا بينهما محللا يكون له السبق ، ولا يكون عليه شيء إن سبق . فهذه مما اختلف فيها ، فأجازها [ ص: 702 ] ابن المسيب ، والشافعي ، ومالك مرة ، والمشهور عنه : أنه لا يجوز .

قلت : والصحيح : جوازه إن كان المحلل لا يأمن أن يسبق ; لما خرجه أبو داود عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (من أدخل فرسا بين فرسين ، وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار ، ومن أدخله وقد أمن أن يسبق فهو قمار) . وأما إذا لم يكن بينهما محلل لم يجز ; لأن مقصودهما المخاطرة ، والمقامرة . وهو مذهب الزهري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقد حكي فيها الاتفاق ، فلو كان للوالي أو غيره فرس في الحلبة ، فيخرج سبقا على أنه إن سبق هو حبس سبقه ، وإن سبق أخذ السبق السابق ; فأجازها الليث ، والشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وهو أحد أقوال مالك ; لأن الأسباق على ملك أربابها ، وهم فيها على ما شرطوه . ومنع ذلك مالك في قول آخر ، وبعض أصحابه ، وربيعة ، والأوزاعي ، وقالوا : لا يرجع إليه سبقه ، وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه ، إن لم يكن مع المتسابقين ثالث .

والمسابقة عقد لازم كالإجارة ، فيشترط في السبق ما يشترط في الأجرة من انتفاء الغرر والجهالة . ومن شرط جوازها : أن تكون الخيل متقاربة في النوع والحال . فمتى جهل حال أحدها ، أو كان مع غير نوعه ، كان السبق قمارا باتفاق .

وقول ابن عمر : ( فجئت سابقا ، فطفف بي الفرس المسجد ) ; أي : زاد على [ ص: 703 ] الغاية المفروضة . وأصل التطفيف : العلو ومجاوزة الحد . ومنه قالوا : طفف كذا ; أي : علا . وإناء طفان ; أي : علا ما فيه . ومنه : التطفيف في الكيل ; فإنه إذا أخذ لنفسه فقد علا على الحق . وإذا نقص غيره فقد أعلى حقه على حقه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث