الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم

واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل

هذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال ، فإنه بعد أن أمرهم بقتال من يقاتلهم ، عمم المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحا بتعميم الأماكن ، فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم الأشخاص تعميم الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو فهو موضع قتال فالمعنى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم .

وعطفت الجملة على التي قبلها ، وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغى ، فحصلت المغايرة المقتضية العطف ، ولذلك قال هنا : " واقتلوهم " ، ولم يقل : " وقاتلوهم " [ ص: 202 ] مثل الآية قبلها تنبيها على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غير مباشر للقتال ، وأنه من خرج محاربا فهو قاتل ، وإن لم يقتل .

و ( ثقفتموهم ) بمعنى لقيتموهم لقاء حرب ، وفعله كفرح ، وفسره في الكشاف بأنه وجود على حالة قهر وغلبة .

وقوله : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم أي : يحل لكم حينئذ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها ، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة ، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين ، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام الآية .

وقوله : والفتنة أشد من القتل تذييل و " أل " فيه للجنس تدل على الاستغراق في المقام الخطابي ، وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن اضطروا إليه .

والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العيش ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر إشارة إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان آخره الإخراج من الديار والأموال ، فالمشركون محقوقون من قبل ، فإذا خفروا العهد استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعا من مؤاخذتهم عليه ؛ وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل ، ويراد منها أيضا الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا بهم إذا حلوا بمكة ، ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون العام القابل بالسيوف في قرابها ، والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة .

وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من الديار ؛ لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث