الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) .

قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) .

في هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه :

الوجه الأول في تقرير هذا المطلوب أن نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته .

وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة .

أما المقام الأول فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله : ( لا تدركه الأبصار ) وذلك مما يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية .

وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : ( لا تدركه الأبصار ) ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته ، والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : ( لا تدركه الأبصار ) يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه ، كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته .

وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته ؛ فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية ، وهذا استدلال لطيف من هذه الآية .

[ ص: 103 ]

الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله : ( لا تدركه الأبصار ) ليس هو نفس الإبصار ، فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع ، بل المدرك هو المبصر ؛ فوجب القطع بأن المراد من قوله : ( لا تدركه الأبصار ) هو أنه لا يدركه المبصرون ، وإذا كان كذلك كان قوله : ( وهو يدرك الأبصار ) المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء ، فكان هو تعالى من جملة المبصرين ؛ فقوله : ( وهو يدرك الأبصار ) يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه ، وكل من قال : إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه ، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية ، وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصارا قلنا : قوله تعالى : ( وهو يدرك الأبصار ) المراد منه إما نفس البصر أو المبصر ، وعلى التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصرا لأبصار نفسه ، وكونه مبصرا لذات نفسه ، وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق .

الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ " الأبصار " صيغة جمع دخل عليها الألف واللام ؛ فهي تفيد الاستغراق ؛ فقوله : ( لا تدركه الأبصار ) يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار ، فهذا يفيد سلب العموم ، ولا يفيد عموم السلب .

إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال : إن زيدا ما ضربه كل الناس ، فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم .

فإذا قيل : إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ما آمن به كل الناس ؛ أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله : ( لا تدركه الأبصار ) معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار ، أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب ؛ فنقول : هب أنه كذلك ، إلا أنه دليل صحيح ؛ لأن بتقدير أن ، لا يحصل الإدراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب .

الوجه الرابع في التمسك بهذه الآية : ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول : إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة ، واحتج عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزا في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ؛ فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن التعويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث