الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين "لو " - كما يقول النحويون -؛ حرف امتناع لامتناع؛ أي: امتنع الجواب لامتناع الشرط؛ فهو نفي بدليل؛ إذ يتضمن شرطها وجوابها بيان امتناع الجواب؛ وامتناع الشرط؛ بتلازم الامتناع فيهما؛ و "اللهو ": ما يشغل عما يعنى به؛ ويهتم له؛ وهو يعم كل ما يلهي عن الغايات والمطالب؛ وهو يطلق على الأسباب التي تلهي الإنسان عن الغايات العليا؛ كالزخارف والطنافس؛ والسقف المرفوعة المزخرفة؛ والأثاث والرئي وغير ذلك مما يعنى به أهل الدنيا والسلاطين الذين في لهوهم يعبثون؛ ويلعبون.

                                                          ويقول - سبحانه -: "لهوا "؛ أي: ما يلهينا؛ وذلك مستحيل؛ لأن الله - جل جلاله - لا يفعل إلا ما هو كمال؛ أو يؤدي إلى الكمال؛ وكله خير؛ وهو معلم الخير؛ وجواب الشرط "لاتخذناه من لدنا "؛ أي: لكان ذلك صادرا عن ذاتنا العليا؛ وصفات الكمال؛ واللهو لا يمكن أن يصدر عن ذاتنا المتصفة بكل كمال؛ والمنزهة عن صغائر الخصال؛ فكيف يصدر عنا؛ و "لدنا "؛ بمعنى "عندنا "؛ ولكنها أخص من "عند "؛ لأنها تدل على الابتداء لنهاية؛ أي أن اللعب من لدنا مبتدئ؛ وذلك لا يسوغ؛ ولا يجوز.

                                                          وقال (تعالى): إن كنا فاعلين إن هذه الجملة شرطية؛ وجواب الشرط محذوف؛ دلت عليه الشرطية التي قبلها؛ لو أردنا أن نتخذ لهوا وفي ذلك تكلف التقدير؛ ونحس أنه غير متسق مع النص الأول؛ وإني أرى أن "إن "؛ نافية؛ وتكون تأكيدا للنفي الثابت بقوله: لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ويكون: "ما كنا فاعلين ذلك "; لأنه لا يليق بالذات الكريمة؛ ولا يتصور أن يكون منها؛ والله أعلم. [ ص: 4843 ] وقد بين - سبحانه وتعالى - القصد الأسمى من خلق السماوات والأرض:

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية