الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة العاشرة قوله { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن } جعل الله للمطلقة المعتدة السكنى فرضا واجبا وحقا لازما هو لله سبحانه وتعالى ، لا يجوز للزوج أن يمسكه عنها ، ولا يجوز لها أن تسقطه عن الزوج ، وهذه مسألة عسيرة على أكثر المذاهب .

                                                                                                                                                                                                              قال مالك : لكل مطلقة السكنى ، كان الطلاق واحدا أو ثلاثا .

                                                                                                                                                                                                              وقال قتادة وابن أبي ليلى : لا سكنى إلا للرجعية . [ وقال الضحاك : لها أن تترك السكنى ، فجعله حقا لها ، وظاهر القرآن أن السكنى للمطلقة الرجعية ] لقوله تعالى { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } . وإنما عرفنا وجوبه لغيرها من دليل آخر بيناه في مسائل الخلاف وشرح الحديث ، وذكرنا التحقيق فيه .

                                                                                                                                                                                                              وأما قول الضحاك فيرده قول الله تعالى : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن } وهذا نص المسألة الحادية عشرة قوله : { من بيوتهن } إضافة إسكان ، وليست إضافة تمليك ، كقوله تعالى : { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } وقد بينا ذلك في سورة الأحزاب .

                                                                                                                                                                                                              وقوله : { لا تخرجوهن } يقتضي أن يكون حقا على الأزواج ، ويقتضي قوله : { ولا يخرجن } أنه حق على الزوجات . المسألة الثانية عشرة ذكر الله الإخراج والخروج عاما مطلقا ، ولكن روى مسلم عن جابر أن { النبي صلى الله عليه وسلم أذن لخالته في الخروج في جذاذ نخلها } .

                                                                                                                                                                                                              وفي صحيح البخاري ومسلم معا ، { قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس وكان زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات : لا نفقة لك ولا سكنى } . [ ص: 238 ]

                                                                                                                                                                                                              وقالت عائشة : لا خير لها في ذكر هذا الحديث .

                                                                                                                                                                                                              وفي مسلم : { قالت فاطمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أخاف أن يقتحم علي قال : اخرجي } .

                                                                                                                                                                                                              وفي البخاري عن عائشة : كان في مكان وحش ، فخيف عليها . وقال مروان : حيث عيب عليه نقل بنت عبد الرحمن بن الحكم حين طلقها يحيى بن سعيد بن العاص . وذكر حديث فاطمة إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر .

                                                                                                                                                                                                              وثبت في الصحيح أن عمر قال في حديث فاطمة بنت قيس : لا ندع كتاب الله ولا سنة نبينا لقول امرأة لا تدري أحفظت أم نسيت . فأنكر عمر وعائشة حديث فاطمة بنت قيس ; لكن عمر رده بعموم القرآن ، وردته عائشة بعلة توحش مكانها ، وقد قيل : إنه لم يخصص عموم القرآن بخبر الواحد ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه .

                                                                                                                                                                                                              وفي الصحيح أن فاطمة بنت قيس قالت : بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ; فأي أمر يحدث بعد الثلاث . فتبين أن الآية في تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرجعية ، وصدقت . وهكذا هو في الآية الأولى ، ولكن ذلك في المبتوتة ثبت من الآية الأخرى ; وهو قوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                              وجاء من هذا أن لزوم البيت للمعتدة شرع لازم ، وأن الخروج للحدث والبذاء والحاجة إلى المعاش وخوف العورة من السكن جائز بالسنة . والله أعلم . المسألة الثالثة عشرة في صفة الخروج : أما الخروج لخوف البذاء والتوحش والحاجة إلى المعاش ; فيكون انتقالا محضا .

                                                                                                                                                                                                              وأما الخروج للتصرف للحاجات فيكون بالنهار دون الليل ; إذ لا سبيل لها إلى البيت عن منزلها ، وإنما تخرج بالإسفار وترجع قبل الإغطاش وتمكن فحمة الليل ; قال مالك : ولا تفعل ذلك دائما . وإنما أذن لها فيه إن احتاجت إليه ، إنما يكون خروجها ، في العدة [ ص: 239 ] كخروجها في النكاح ; لأن العدة فرع النكاح ، لكن النكاح يقف الخروج فيه على إذن الزوج ، ويقف في العدة على إذن الله ; وإذن الله إنما هو بقدر العذر الموجب له بحسب الحاجة إليه .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الرابعة عشرة لما قال الله تعالى : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن } وكان هذا في المطلقة الرجعية كما بينا كانت السكنى حقا عليهن لله ، وكانت النفقة حقا على الأزواج ، فسقطت بتركهن وكان ذلك دليلا على أن النفقة من أحكام الرجعة ، والسكنى من حقوق العدة .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية