الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين

وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين .

عطف على جملة ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) أي : هذه شنشنتهم ، فلا تأسف لعدم إيمانهم بآيات الكتاب المبين ، وما يجيئهم منها من بعد فسيعرضون عنه ؛ لأنهم عرفوا بالإعراض .

والمضارع هنا لإفادة التجدد والاستمرار . فالذكر هو القرآن ؛ لأنه تذكير للناس بالأدلة . وقد تقدم وجه تسميته ذكرا عند قوله تعالى : ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) في سورة الحجر .

والمحدث : الجديد ، أي : من ذكر بعد ذكر يذكرهم بما أنزل من القرآن من قبله ، فالمعنى المستفاد من وصفه بالمحدث غير المعنى المستفاد من إسناد صيغة المضارع في قوله : ( ما يأتيهم من ذكر ) . فأفاد الأمران أنه ذكر متجدد مستمر ، وأن بعضه يعقب بعضا ويؤيده . وقد تقدم في سورة الأنبياء قوله : [ ص: 98 ] ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ) .

وذكر اسم الرحمن هنا دون وصف الرب كما في سورة الأنبياء ؛ لأن السياق هنا لتسلية النبيء - صلى الله عليه وسلم - على إعراض قومه فكان في وصف مؤتي الذكر بالرحمن تشنيع لحال المعرضين وتعريض لغباوتهم أن يعرضوا عما هو رحمة لهم ، فإذا كانوا لا يدركون صلاحهم ، فلا تذهب نفسك حسرات على قوم أضاعوا نفعهم ، وأنت قد أرشدتهم إليه وذكرتهم كما قال المثل : ( لا يحزنك دم هراقه أهله ) وقال النابغة :


فإن تغلب شقاوتكم عليكم فإني في صلاحكم سعيت

وفي الإتيان بفعل ( كانوا ) وخبره دون أن يقال : إلا أعرضوا ، إفادة أن إعراضهم راسخ فيهم وأنه قديم مستمر إذ أخبر عنهم قبل ذلك بقوله : ( ألا يكونوا مؤمنين ) ، فانتفاء كون إيمانهم واقعا هو إعراض منهم عن دعوة الرسول التي طريقها الذكر بالقرآن فإذا أتاهم ذكر بعد الذكر الذي لم يؤمنوا بسببه وجدهم على إعراضهم القديم .

و ( من ) في قوله ( من ذكر ) مؤكدة لعموم نفي الأحوال .

و ( من ) التي في قوله : ( من الرحمن ) ابتدائية .

والاستثناء من أحوال عامة فجملة ( كانوا عنه معرضين ) في موضع الحال من ضمير ( يأتيهم من ذكر ) . وتقدم المجرور لرعاية الفاصلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث