الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المجاز في المفرد والإسناد والفعل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ويكون ) المجاز ( في مفرد ) كإطلاق لفظ الأسد على الشجاع ، والحمار على البليد ، والبحر على العالم ( و ) يكون أيضا في ( إسناد ) على الصحيح وعليه المعظم . فيجري فيه ، وإن لم يكن في لفظي المسند والمسند إليه تجوز ، وذلك بأن يسند الشيء إلى غير من هو له بضرب من التأويل بلا واسطة وضع .

كقول الشاعر :

أشاب الصغير وأفنى الكب ير كر الغداة ومر العشي

فلفظ " الإشابة " حقيقة في مدلوله ، وهو تبييض الشعر ، والزمان الذي هو مرور الليل والنهار حقيقة في مدلوله أيضا ، لكن إسناد الإشابة إلى الزمان مجاز ، إذ المشيب للناس في الحقيقة هو الله تعالى . فهذا مجاز في الإسناد ، لا في نفس مدلولات الألفاظ .

ومنه قوله تعالى ( { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } ) ( { إنهن أضللن كثيرا من الناس } ) فكل من طرفي الإسناد حقيقة ، وإنما المجاز في إسناد الزيادة إلى الآيات ، والإضلال إلى الأصنام وكذا ( { ينزع عنهما لباسهما } ) والفاعل لذلك في الكل هو الله سبحانه وتعالى ( و ) يكون المجاز ( فيهما ) أي في المفرد وفي الإسناد ( معا ) أي في حالة واحدة . كقول بعضهم : " أحياني اكتحالي بطلعتك " إذ حقيقته : سرتني رؤيتك ، لكن أطلق لفظ " الإحياء " على " السرور " مجازا إفراديا . لأن الحياة شرط صحة السرور وهو من آثارها وكذا لفظ " الاكتحال " على الرؤية مجاز إفرادي ; لأن الاكتحال : جعل العين مشتملة على الكحل ، كما أن الرؤية : جعل العين مشتملة على صورة المرئي .

فلفظ " الإحياء والاكتحال " حقيقة في مدلولهما ، وهو سلوك الروح في الجسد ، ووضع الكحل في العين ، واستعمال لفظ " الإحياء [ ص: 59 ] والاكتحال " في السرور والرؤية مجاز إفرادي ، وإسناد الإحياء إلى الاكتحال مجاز تركيبي . لأن لفظ " الإحياء " لم يوضع ليسند إلى الاكتحال ، بل إلى الله تعالى ; لأن الإحياء والإماتة الحقيقيتين من خواص قدرته سبحانه وتعالى .

( و ) يكون المجاز في ( فعل ) تارة بالتبعية . كصلى بمعنى دعا ، تبعا لإطلاق الصلاة مجازا على الدعاء ، وتارة بدون التبعية ، كإطلاق الفعل الماضي بمعنى الاستقبال نحو ( { ونفخ في الصور } ) و ( { أتى أمر الله } ) و ( { ونادى أصحاب الجنة } ) أي : وينفخ ، ويأتي ، وينادي وإطلاق المضارع بمعنى الماضي ، نحو ( { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } ) ، و ( { فلم تقتلون أنبياء الله } ) أي ما تلته ، ولم قتلتموهم ؟ والتعبير بالخبر عن الأمر نحو ( { والوالدات يرضعن } ) وعكسه [ نحو ] ( { فليمدد له الرحمن مدا } ) [ وقوله صلى الله عليه وسلم ] { فليتبوأ مقعده من النار } .

والتعبير بالخبر عن النهي نحو ( { لا يمسه إلا المطهرون } ) قال علماء البيان : هو أبلغ من صريح الأمر والنهي ; لأن المتكلم لشدة تأكد طلبه نزل المطلوب منزلة الواقع لا محالة ( و ) يكون المجاز في ( مشتق ) كاسم الفاعل واسم المفعول ، والصفة المشبهة ونحوها مما يشتق من المصدر ، كإطلاق " مصل " في الشرع على الداعي ( و ) يكون المجاز أيضا في ( حرف ) فإنه قد تجوز ب " هل " عن الأمر في قوله سبحانه وتعالى ( { فهل أنتم مسلمون } ) { { فهل أنتم منتهون } } أي فأسلموا وانتهوا ، وعن النفي ، كقوله تعالى ( { فهل ترى لهم من باقية } ) أي ما ترى لهم من باقية ، وعن التقرير كقوله تعالى ( { هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم } ) .

وقيل : لا يجري المجاز في الحروف إلا بالتبعية ، كوقوع المجاز في متعلقه ( ويحتج به ) أي بالمجاز ، حكاه بعضهم إجماعا . لأنه يفيد المعنى من طريق الوضع ، كالحقيقة ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( { أو جاء أحد منكم من الغائط } ) فإنه يفيد المعنى وإن كان مجازا ، وكذا قوله تعالى ( { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ) ومن المعلوم أن المراد : الأعين التي في الوجوه وقد احتج الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه بهذه الآية على وجوب [ ص: 60 ] النظر يوم القيامة . وأيضا : فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب ، كقول الإنسان : لزيد علي درهم ، فإنه مجاز وهو أسبق إلى الفهم من قوله : يلزمني لزيد درهم ( ولا يقاس عليه ) أي على المجاز . لأن علاقته ليست مطردة ( ويستلزم ) المجاز ( الحقيقة ) لأنه فرع والحقيقة أصل ، ومتى وجد الفرع وجد الأصل .

وأيضا : فإنه لو لم يستلزمها لعري الوضع عن الفائدة ( ولا تستلزمه ) أي ولا تستلزم الحقيقة المجاز ، لأن اللغة طافحة بحقائق لا مجازات لها ( ولفظاهما ) أي لفظ حقيقة ، ولفظ مجاز ( حقيقتان عرفا ) أي في اصطلاح أهل العرف ; لأن واضع اللغة لم يستعملهما فيما استعملهما فيه أهل العرف و ( مجازان لغة ) أي في اللغة ، لأنهما منقولان منها . وقد تقدم كيفية نقلهما ( وهما ) أي وكون اللفظ حقيقة أو مجازا ( من عوارض الألفاظ ) . قال الشيخ تقي الدين : وهذا التقسيم حادث بعد القرون الثلاثة ، يعني تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز .

( وليس منهما ) أي من الحقيقة ، ولا من المجاز ( لفظ قبل استعماله ) لعدم ركن تصريفهما ، وهو الاستعمال ; لأن الاستعمال جزء من مفهوم كل منهما ( ولا ) من الحقيقة والمجاز ( علم متجدد ) قال في شرح التحرير : اختاره الأكثر ، لأن الأعلام وضعت للفرق بين ذات وذات . فلو تجوز فيها ، لبطل هذا الغرض . وأيضا ، فنقلها إلى مسمى آخر إنما هو بوضع مستقل لا لعلاقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث