الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 270 ] سورة محمد

قوله تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم

من حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه وآخرته . وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه ولي المؤمنين وأنه يتولى الصالحين . وذلك يتضمن أنه يتولى مصالحهم في الدنيا والآخرة، ولا يكلهم إلى غيره قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور

. وقال تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم

وقال تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه

وقال تعالى: أليس الله بكاف عبده فمن قام بحقوق الله عليه فإن الله يتكفل له بالقيام بجميع مصالحه في الدنيا والآخرة، ومن أراد أن يتولى الله حفظه ورعايته في أموره كلها فليراع حقوق الله عليه، ومن أراد ألا يصيبه مما يكره فلا يأت شيئا مما يكرهه الله .

كان بعض السلف يدور على المجالس ويقول: من أحب أن تدوم له العافية فليتق الله . [ ص: 271 ] وقال العمري الزاهد لمن طلب منه الوصية: كما تحب أن يكون الله لك . فهكذا كن لله عز وجل .

وفي بعض الآثار: يقول الله: "وعزتي وجلالي لا أطلع على قلب عبد فأعلم أن الغالب عليه حب التمسك بطاعتي، إلا توليت سياسته وتقويمه " .

وفي بعض الكتب المتقدمة: يقول الله عز وجل "يا ابن آدم، ألا تعلمني ما يضحكك، يا ابن آدم، اتقني . . . ونم حيث شئت " . والمعنى: أنك إذا قمت بما عليك لله من حقوق التقوى فلا تهتم بعد ذلك بمصالحك، فإن الله هو أعلم بها منك، وهو يوصلها إليك على أتم الوجوه من غير اهتمام منك بها .

وفي حديث جابر - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه " .

فهذا يدل على أنه على قدر اهتمام العبد بحقوق الله ومراعاة حدوده . واعتنائه بذلك وحفظه له يكون اعتناؤه به وحفظه له، فمن كان غاية همه رضا الله عنه وطلب قربه ومعرفته ومحبته وخدمته، فإن الله يكون له على حسب ذلك كما قال تعالى: فاذكروني أذكركم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم بل هو سبحانه أكرم الأكرمين . فهو يجازي بالحسنة عشرا ويزيد، ومن تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا . ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة . [ ص: 272 ] ما يؤتى الإنسان إلا من قبل نفسه ولا يصيبه المكروه إلا من تفريطه في حق ربه عز وجل . قال علي - رضي الله عنه -: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه .

وقال بعضهم: من صفى صفي له، ومن خلط خلط عليه .

وقال مسروق : من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جو ارحه .

وبسط هذا المعنى يطول جدا، وفيما أشرنا إليه كفاية، ولله الحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث