الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة المراقبة

ومن منازل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) منزلة المراقبة .

قال الله تعالى : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) . وقال تعالى : [ ص: 65 ] : ( وكان الله على كل شيء رقيبا ) وقال تعالى : ( وهو معكم أين ما كنتم ) ، وقال تعالى : ( ألم يعلم بأن الله يرى ) ، وقال تعالى : ( فإنك بأعيننا ) ، وقال تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) . إلى غير ذلك من الآيات .

وفي حديث جبريل عليه السلام : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان ؟ فقال له : أن تعبد الله كأنك تراه . فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

المراقبة تعريفها : دوام علم العبد ، وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه . فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ، ناظر إليه ، سامع لقوله . وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة ، وكل نفس وكل طرفة عين . والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات . فكيف بحال المريدين ؟ فكيف بحال العارفين ؟ .

قال الجريري : من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة : لم يصل إلى الكشف والمشاهدة

وقيل : من راقب الله في خواطره ، عصمه في حركات جوارحه .

وقيل لبعضهم : متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا .

وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير .

وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله ، وتعظيم ما عظم الله ، وتصغير ما [ ص: 66 ] صغر الله .

وقيل : الرجاء يحرك إلى الطاعة ، والخوف يبعد عن المعاصي ، والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق .

وقيل : المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة .

وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على فصلين : أن تلزم نفسك المراقبة لله ، وأن يكون العلم على ظاهرك قائما .

وقال إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل .

وقيل : أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة ، وسياسة عمله بالعلم .

وقال أبو حفص ل أبي عثمان النيسابوري : إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ونفسك . ولا يغرنك اجتماعهم عليك . فإنهم يراقبون ظاهرك . والله يراقب باطنك .

وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر : سبب لحفظها في حركات الظواهر . فمن راقب الله في سره ، حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته .

والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب ، الحفيظ ، العليم ، السميع ، البصير ، فمن عقل هذه الأسماء ، وتعبد بمقتضاها : حصلت له المراقبة . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث