الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ولا يجوز القصر إلا مسيرة يومين

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا يجوز القصر إلا مسيرة يومين ، وهو أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ فذلك ستة عشر فرسخا ، لما روي عن ابن عمر وابن عباس " كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك " وسأل عطاء ابن عباس : " أأقصر إلى عرفة ؟ فقال : لا فقال : إلى منى ؟ فقال : لا لكن إلى جدة وعسفان والطائف " .

قال مالك : بين مكة والطائف وجدة وعسفان أربعة برد ، ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال وفيما دونه لا تتكرر .

قال الشافعي : ( وأحب أن لا يقصر في أقل من ثلاثة أيام ) وإنما استحب ذلك ليخرج من الخلاف ، لأن أبا حنيفة لا يبيح القصر إلا في ثلاثة أيام ) .

التالي السابق


( الشرح ) البرد - بضم الباء والراء - وكل فرسخ ثلاثة أميال هاشمية فالمجموع ثمانية وأربعون ميلا هاشمية .

والميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربع وعشرون أصبعا معتدلة معترضة ، والأصبع ست شعيرات [ ص: 211 ] معتدلات معترضات .

وقوله " والترحال " بفتح التاء - وأما الأثر عن ابن عمر وابن عباس فسنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى .

( أما حكم المسألة ) فقال أصحابنا : لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي سواء في هذا جميع الأسفار المباحة .

هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور .

وحكى الشيخ أبو علي السنجي ، وصاحب البيان عنه قولا للشافعي أنه يجوز القصر مع الخوف ، ولا يشترط ثمانية وأربعون ميلا ، وهذا شاذ مردود والذي تطابقت عليه نصوص الشافعي وكتب الأصحاب أنه يشترط في جميع الأسفار ثمانية وأربعون ميلا هاشمية ، وهو منسوب إلى بني هاشم ، وذلك أربعة برد كما ذكره المصنف .

وذلك بالمراحل مرحلتان قاصدتان سير الأثقال ودبيب الأقدام .

هكذا نص الشافعي عليه واتفقوا عليه .

قال الشيخ أبو حامد وصاحبا الشامل والبيان وغيرهم : للشافعي - رحمه الله - سبعة نصوص في مسافة القصر .

قال في موضع : ثمانية وأربعون ميلا ; وفي موضع ستة وأربعون ، وفي موضع أكثر من أربعين ، وفي موضع أربعون ، وفي موضع يومان ، وفي موضع ليلتان ، وفي موضع يوم وليلة .

قالوا : قال أصحابنا : المراد بهذه النصوص كلها شيء واحد وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية .

وحيث قال : ستة وأربعون أراد سوى ميل الابتداء وميل الانتهاء وحيث قال أكثر من أربعين أراد أكثر بثمانية .

وحيث قال أربعون أراد أربعين أموية ، وهي ثمانية وأربعون هاشمية ، فإن أميال بني أمية أكبر من الهاشمية كل خمسة ستة .

وحيث قال يومان أي بلا ليلة .

وحيث قال : ليلتان أي بلا يوم ، وحيث قال يوم وليلة أرادهما معا فلا اختلاف بين نصوصه وهل التقدير بثمانية وأربعين ميلا تحديد أم تقريب ؟ فيه وجهان : حكاهما الرافعي وغيره ( أصحهما ) تحديد ، لأن فيه تقديرا بالأميال ثابتا عن الصحابة بخلاف تقدير القلتين ، فإن الأصح أنه تقريب ، لأنه لا توقيف في تقديره بالأرطال .

قال الشافعي والأصحاب : والأفضل أن لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة [ ص: 212 ] أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة وغيره ممن سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى .

قال أصحابنا : فإن كان السير في البحر اعتبرت المسافة بمساحتها في البر حتى لو قطع قدر ثمانية وأربعين ميلا في ساعة أو لحظة جاز له القصر ، لأنها مسافة صالحة للقصر ، فلا يؤثر قطعها في زمن قصير ، كما لو قطعها في البر على فرس جواد في بعض يوم ، فلو شك في المسافة اجتهد ; نقله الرافعي وغيره ، وقد نص الشافعي في الأم أنه إذا شك في المسافة لم يجز القصر وهو محمول على من لم يظهر له شيء بالاجتهاد ولو حبستهم الريح في المراسي وغيرها ، قال الشافعي والأصحاب : هو كالإقامة في البر بغير نية الإقامة .

( فرع ) يشترط في كون السفر مرحلتين أن يكون بينه وبين المقصد مرحلتان فلو قصد موضعا بينه وبينه مرحلة بنية أن لا يقيم فيه لم يكن له القصر لا ذاهبا ولا راجعا ، وإن كان له مشقة مرحلتين متواليتين لأنه لا يسمى سفرا طويلا ، وحكى الرافعي أن الحناطي حكى وجها أنه يقصر ، والصواب الأول ، وبه قطع الأصحاب والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء في المسافة المعتبرة لجواز القصر قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز القصر في مرحلتين وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية ، ولا يجوز في أقل من ذلك ، وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصري والزهري ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال عبد الله بن مسعود وسويد بن غفلة - بفتح الغين المعجمة والفاء - والشعبي والنخعي والحسن بن صالح والثوري وأبو حنيفة : لا يجوز القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام ، وعن أبي حنيفة أنه يجوز في يومين وأكثر الثالث ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ، وقال الأوزاعي وآخرون : يقصر في مسيرة يوم تام ، قال ابن المنذر : به أقول وقال داود : يقصر في طويل السفر وقصيره ، قال الشيخ أبو حامد : حتى قال : لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر .

واحتج لداود بإطلاق الكتاب والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة [ ص: 213 ] وبحديث يحيى بن يزيد قال : سألت أنسا عن قصر الصلاة فقال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين } رواه مسلم .

وعن جبير بن نفير قال : " { خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين فقلت له ، فقال : رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين ، فقلت له ، فقال : أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل } " رواه مسلم .

واحتج لمن شرط ثلاثة أميال بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم } رواه البخاري ومسلم ورواه مسلم كذلك من رواية أبي سعيد الخدري ، وذكروا مناسبات لا اعتماد عليها ، واحتج أصحابنا برواية عطاء بن أبي رباح أن ابن عمر وابن عباس " كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك " رواه البيهقي بإسناد صحيح وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة جزم ، فيقتضي صحته عنده كما قدمناه مرات ، وعن عطاء قال : سئل ابن عباس " أأقصر الصلاة إلى عرفة ؟ فقال : لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف " رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن ابن عمر أنه قصر في أربعة برد .

وأما الحديث الذي رواه الدارقطني والبيهقي عن إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة } فهو حديث ضعيف جدا لأن عبد الوهاب مجمع على شدة ضعفه ، وإسماعيل أيضا ضعيف لا سيما في روايته عن غير الشاميين .

والجواب عما احتج به أهل الظاهر من إطلاق الآية والأحاديث أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم القصر صريحا في دون مرحلتين .

وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال بل معناه أنه كان إذا سافر [ ص: 214 ] سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر ، وليس التقييد بالثلاثة لكونه لا يجوز القصر عند مفارقة البلد ، بل لأنه ما كان يحتاج إلى القصر إلا إذا تباعد هذا القدر ، لأن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد عن المدينة .

وأما حديث شرحبيل وقوله : " إن عمر رضي الله عنه صلى بذي الحليفة ركعتين " فمحمول على ما ذكرناه في حديث أنس وهو أنه كان مسافرا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة ، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين لا أن ذا الحليفة غاية سفره .

وأما الجواب عما احتج به القائلون باشتراط ثلاثة أيام فهو أن الحديث الذي ذكروه ليس فيه أن السفر لا ينطلق إلا على مسيرة ثلاثة أيام ، وإنما فيه أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم هذا السفر الخاص ، ويدل على هذا أنه ثبت عن أبي سعيد رواية أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم } رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم مسيرة يوم ، وفي رواية له ليلة ، وفي رواية أبي داود لا تسافر بريدا ورواه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد .

قال البيهقي : وهذه الروايات الصحيحة في الأيام الثلاثة واليومين واليوم صحيحة ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم .

فقال : لا ، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم ، فقال : لا ، وسئل عن يوم ، فقال : لا ، فأدى كل منهم ما حفظ ، ولا يكون شيء من هذا حدا للسفر ، يدل عليه حديث ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم } رواه البخاري ومسلم هذا كلام البيهقي ، فحصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم [ ص: 215 ] يرد تحديد ما يقع عليه السفر بل أطلقه على ثلاثة أيام وعلى يومين وعلى يوم وليلة وعلى يوم وعلى ليلة وعلى بريد وهو مسيرة نصف يوم فدل على أن الجميع يسمى سفرا والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث